أعلن المهندس هشام الحيصة، الأمين العام لسلطة وادي الأردن، عن أحدث البيانات المتعلقة بالوضع المائي في المملكة، كاشفاً أن نسبة الفاقد المائي في الأردن سجلت مؤخراً 42.3%، وذلك بعد نجاح الجهود الوطنية في خفض هذه النسبة بمقدار 12% خلال السنوات القليلة الماضية.
حراك إقليمي في عمّان
جاءت هذه التصريحات في سياق ورشة العمل الإقليمية التي انطلقت فعالياتها في العاصمة الأردنية عمّان تحت عنوان “التعاون الإقليمي والاجتماع السنوي للمراجعة لمبادرة ندرة المياه”. وتمتد أعمال هذه الورشة لثلاثة أيام، بحضور حشد من الخبراء وممثلي الجهات الدولية والإقليمية والوطنية، إضافة إلى مندوبين عن الدول المنضوية تحت مظلة المبادرة.
ويندرج هذا الحدث ضمن برنامج مبادرة ندرة المياه في إقليم الشرق الأدنى وشمال أفريقيا، الذي تقوده منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، بالتعاون الوثيق مع تحالف من الشركاء الاستراتيجيين يضم لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا)، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، والمركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة (إيكاردا)، والمركز الدولي للزراعة الملحية (ICBA)، والمعهد الدولي لإدارة المياه (IWMI)، وبتمويل داعم من الوكالة السويدية للتعاون الإنمائي الدولي (SIDA).
وخلال الجلسة الافتتاحية، استمع الحضور إلى كلمات رئيسية ألقاها كل من أمين عام سلطة وادي الأردن مندوباً عن الوزير، وممثلو جامعة الدول العربية والمنظمة العربية للتنمية الزراعية، إلى جانب ممثلي منظمة الفاو في الأردن والوكالة السويدية للتنمية. وقد أجمع المتحدثون في طروحاتهم على محورية تعزيز التنسيق الإقليمي وتوحيد الجهود لمجابهة التحديات المركبة المتمثلة في ندرة المياه والتغير المناخي، وتأثيراتها المباشرة على منظومة الأمن الغذائي في المنطقة. وتتمحور أهداف الورشة حول مراجعة ما تم إنجازه من أنشطة البرنامج خلال العام 2025، ووضع الخطط التنفيذية للعام 2026، فضلاً عن تقوية آليات الحوكمة والتواصل وتبادل الخبرات بين الدول الأعضاء.
واقع مائي ضاغط وحلول استراتيجية
وفي معرض حديثه عن التحديات، أكّد أمين عام سلطة وادي الاردن المهندس هشام الحيصة أن التغير المناخي يشكّل أحد أكبر التحديات التي تواجه المنطقة، مشيرًا إلى أن دول الإقليم، ومن بينها الأردن، تُعد من الأكثر تأثرًا بآثاره السلبية رغم أنها ليست من الدول المسببة له، الأمر الذي يفرض ضغوطًا هائلة على إدارة الموارد المائية.
كما استعرض الحيصة الأرقام المقلقة حول واقع الفرد، حيث أوضح الحيصة أن حصة الفرد السنوية من المياه في الأردن تُعد الأقل عالميًا، حيث بلغت نحو 61 مترًا مكعبًا سنويًا لكافة الاحتياجات خلال العام الماضي، ما يضع الأمن المائي في صدارة الأولويات الوطنية. ولمواجهة هذا الواقع، أشار إلى أن الأردن يمضي بجدية في تنفيذ مشروع الناقل الوطني لتحلية المياه، باعتباره ركيزة استراتيجية لتعزيز المصادر المائية وضمان استدامتها.
وتطرق الأمين العام إلى الإنجاز الذي حققته المملكة في تقليص الفاقد المائي، مشيراً إلى أن المملكة حققت إنجازًا ملموسًا في خفض الفاقد المائي بنسبة 12% خلال سنوات قليلة، ليصل حاليًا إلى 42.3%، مؤكدًا أن هذه الجهود تأتي في ظل تحديات متسارعة تتطلب مسؤولية مشتركة بين دول المنطقة، وزيادة التعاون والتنسيق الإقليمي، وتطوير سياسات متكاملة قائمة على التخطيط السليم، والكفاءة في استخدام الموارد، والاعتماد على البيانات والأدلة العلمية في صنع القرار، وتعزيز أطر الحوكمة الرشيدة للمياه.
نموذج الترابط بين المياه والطاقة والغذاء
وشدد الحيصة على ضرورة الموازنة بين متطلبات التنمية واحتياجات الغذاء، خاصة في الزراعة التي تستهلك الجزء الأكبر من المياه، منوهاً بأهمية الترابط الوثيق بين قطاعات المياه والزراعة والبيئة والطاقة.
وللتدليل على ذلك، استعرض المهندس الحيصة تجربة أردنية قائمة على أرض الواقع تُجسد هذا الترابط الرباعي، حيث يتم تزويد العاصمة عمّان بالمياه، ثم جمع المياه العادمة ومعالجتها في محطة الخربة السمراء، لتختلط لاحقًا مع مياه الينابيع والأمطار على امتداد نهر الزرقاء وصولًا إلى سد الملك طلال، ثاني أكبر سد في المملكة. وأضاف موضحاً أن نوعية المياه تتحسن داخل السد ليتم توظيفها في توليد الكهرباء، ومن ثم تزويد الجزء الجنوبي من قناة الملك عبد الله لري نحو 200 ألف دونم.
ونوه إلى أن هذا النموذج لم يغفل الجانب المجتمعي، حيث بيّن أن إدارة وتوزيع المياه في هذا المشروع لم تقتصر على الجانب الحكومي، بل تم إشراك المزارعين من خلال جمعيات مستخدمي المياه، في نموذج يعزز الشراكة المجتمعية ويُحسّن كفاءة الإدارة، وتمثل نموذجًا قابلًا للتقييم والتطوير والتعميم، سواء على المستوى الوطني أو الإقليمي والدولي، داعيًا إلى تسويقها بين الشركاء كخبرة متبادلة في مجال الإدارة المتكاملة للموارد المائية.
واختتم الحيصة حديثه بالدعوة إلى استثمار مخرجات الورشة لتعزيز العدالة المائية، مؤكدًا أهمية ترسيخ العلاقة التشاركية بين دول المنبع ودول المصب، واحترام حقوق الدول المتشاطئة في المياه، باعتبار أن ندرة المياه تتفاقم في ظل غياب العدالة والتعاون الفعّال بين هذه الدول.
