أفاد المجلس الأعلى للسكان، يوم الثلاثاء، بوجود نسب مرتفعة للبدانة في المملكة، مشيراً إلى أن قرابة 46% من الإناث البالغات و32% من الذكور البالغين يندرجون تحت فئة المصابين بالسمنة.
وجاء هذا التوضيح من خلال بيان صحفي أُصدر تزامناً مع حلول “اليوم العالمي للسمنة” الذي يوافق يوم الأربعاء. وبيّن المجلس أن الأداة المعتمدة لقياس هذه الحالات هي “مؤشر كتلة الجسم” (BMI)، والذي يُحسب بعملية رياضية بسيطة تتمثل في قسمة وزن الفرد بالكيلوغرام على مربع طوله بالأمتار. وتُصنف النتيجة التي تقع بين 25 و29 كزيادة في الوزن، في حين تُعتبر النتيجة البالغة 30 فما فوق مؤشراً على الإصابة بالسمنة المفرطة.
مؤشرات عالمية ومحلية ترصد تفاقم الظاهرة
واستناداً إلى التقرير العالمي للتغذية لعام 2024، تبرز البدانة كواحدة من أشد التحديات الصحية التي تواجه الأردن، مسجلة أرقاماً تتجاوز المتوسطات الإقليمية. إذ أوضح التقرير أن نحو 60% من البالغين يعانون إما من السمنة أو من زيادة في الوزن، وهو ما يشكل ضغطاً هائلاً وعبئاً ثقيلاً على المنظومة الصحية الأردنية.
وتتوافق هذه المعطيات بشكل وثيق مع مخرجات مسح السكان والصحة الأسرية الأردني لعام 2023، والذي رصد تصاعداً واضحاً في أوزان النساء في سن الإنجاب. وتتوزع هذه المخاطر الصحية وفق الفئات العمرية كما يلي:
- الفئة من 15 إلى 19 عاماً: بلغت نسبة من يعانين من السمنة وزيادة الوزن 35.4%.
- الفئة من 20 إلى 49 عاماً: قفزت النسبة لتصل إلى 64.1%.
- الفئة من 40 إلى 49 عاماً: سجلت النسبة الأعلى ببلوغها 83.6%، مما يدل على تزايد الخطر وتراكمه مع التقدم في العمر.
تأثير الأمومة ومستوى المعيشة على صحة الأطفال
ويمتد تأثير هذه الظاهرة ليطال الأطفال، حيث ترتفع نسبة الإصابة بالسمنة لديهم لتصل إلى 10% إذا كانت الأمهات يعانين من زيادة الوزن، في حين تنخفض هذه النسبة إلى 5% لدى أبناء الأمهات ذوات الوزن الطبيعي، ولا تتجاوز 4% لدى أطفال الأمهات النحيفات.
بالإضافة إلى ذلك، كشفت الإحصائيات عن وجود تفاوت اقتصادي لافت؛ إذ ترتفع معدلات سمنة الأطفال طردياً مع زيادة مستوى رفاهية الأسرة، لتقفز من 7% في الأسر الأقل حظاً لتصل إلى 13% ضمن الأسر الأكثر ثراءً.
اليوم العالمي للسمنة 2026 والمخاطر الصحية
ويحمل اليوم العالمي للسمنة لعام 2026 رسالة هامة تدعو للتعامل مع البدانة كمرض مزمن يستوجب تدخلات منهجية وفهماً عميقاً على عدة مستويات، وليس باعتباره مجرد ضعف في الإرادة الشخصية. فالسمنة تضاعف بشكل خطير من احتمالات الإصابة بمجموعة من الأمراض، أبرزها:
- أمراض القلب والأوعية الدموية.
- داء السكري وارتفاع ضغط الدم.
- صعوبات ومشاكل في الجهاز التنفسي.
- أنواع محددة من الأمراض السرطانية.
- اضطرابات نفسية تشمل الاكتئاب وتدني الثقة بالنفس.
- تأثيرات سلبية على الصحة الإنجابية والجنسية لكل من الرجال والنساء.
مسببات محلية وتداعيات اقتصادية وبيئية
وعلى الصعيد الأردني، تعزو الدراسات تفاقم السمنة إلى عوامل اجتماعية واقتصادية متداخلة، كالتوسع العمراني السريع، وتراجع مستويات النشاط البدني، والاعتماد على الأطعمة الغنية بالسعرات الحرارية، وطبيعة المهن الحديثة التي تتطلب الجلوس لفترات طويلة. وقد تزامن هذا الارتفاع مع تزايد ملحوظ في الأمراض غير السارية، مما يحتم التعامل مع السمنة كمحدد رئيسي ومباشر للصحة العامة.
المثير للاهتمام أن أبحاثاً عالمية حديثة أثبتت وجود رابط بين السمنة والتغير المناخي؛ وذلك نتيجة الاستهلاك المفرط للأغذية، وزيادة معدلات الأيض، فضلاً عن الاعتماد المبالغ فيه على وسائل النقل بدلاً من المشي، مما يفاقم من الانبعاثات الكربونية والغازات المسببة للاحتباس الحراري.
ولا يقتصر خطر السمنة على البعد الصحي فحسب، بل يمتد ليشكل عائقاً تنموياً واجتماعياً حقيقياً. فهي تساهم في مضاعفة الأعباء المرضية، مما ينعكس سلباً على الإنتاجية الاقتصادية، ويرفع من تكاليف الرعاية العلاجية، ويقلل من جودة الحياة بشكل عام.
الدور الاستراتيجي للمجلس الأعلى للسكان
وأمام هذا الواقع المعقد، يبرز الدور الجوهري للجهات الوطنية كالمجلس الأعلى للسكان في إدراج المعايير الصحية والغذائية ضمن خطط التنمية المستدامة. ويعمل المجلس على استثمار وتحليل البيانات الديموغرافية والصحية وتوجيهها لصياغة سياسات وطنية شاملة ومبنية على أسس علمية صلبة. ولا يتوقف دور المجلس عند التحليل الإحصائي، بل يسعى لتعزيز الشراكات والتكامل القطاعي، وابتكار استراتيجيات تأخذ بعين الاعتبار الفروقات العمرية، والجنسية، والمكانية، والاقتصادية لمواجهة هذا التحدي المتنامي.
