في ظل تنامي الاهتمام العالمي بضرورة حماية النشء والشباب داخل الفضاء الإلكتروني، يُشدد المتخصصون التربويون على حتمية دمج أسس الأمان الرقمي والاستعمال المدروس لشبكات التواصل الاجتماعي بطريقة منهجية داخل النظام التعليمي. ويُعد هذا الدمج دعامة محورية لتهيئة مناخ دراسي آمن يُحفز الطلبة على التعلم الفعال ويدعم استقرارهم.
وقد تبلور هذا التوجه مؤخراً بعد الخطوة التي اتخذها مجلس الوزراء خلال جلسته في محافظة الكرك، حيث تمت الموافقة على تأسيس لجنة وطنية تُعنى بوقاية الأطفال واليافعين من التهديدات المرافقة لاستخدام الشبكة العنكبوتية ومنصات التواصل.
ويُجمع الخبراء في تصريحاتهم لصحيفة “الغد” على أن إدراج ثقافة الأمان الرقمي لم يعد خياراً إضافياً، بل أضحى ضرورة تربوية مُلحة. ويعود ذلك إلى الانتشار الواسع للمنصات الإلكترونية، والاعتماد المتزايد على التعليم عن بُعد، واستخدام الطلبة للإنترنت كمنهل أساسي للمعلومات. ويشيرون إلى أن بناء بيئة مدرسية خالية من المخاطر يستوجب سحب مظلة الحماية لتشمل العالم الافتراضي، مما يضمن طمأنينة الطالب داخل أسوار المدرسة وخارجها، سواء كان التعليم وجاهياً أو عن بُعد.
كما يُسهم تطبيق الأمان الرقمي بشكل مباشر في الارتقاء بمستوى التعليم، من خلال زرع الثقة في نفوس الطلبة عند استخدامهم للتكنولوجيا، ودفعهم للمشاركة في الأنشطة الرقمية بلا خوف. أضف إلى ذلك تطوير مهاراتهم في تمحيص المعلومات ونقدها، وهو ما يثري تجربتهم التعليمية ويعمقها. فالمؤسسات التعليمية التي تطمح للتميز مطالبة بجعل الاستخدام الآمن للإنترنت ركناً أساسياً في استراتيجياتها، لأن الطالب الذي يشعر بالأمان الرقمي يكون أقدر على قيادة مستقبله بوعي وحكمة.
ويوضح الخبراء أن توجيه الموارد نحو برامج السلامة الرقمية يُعد استثماراً استراتيجياً في جودة المخرجات التعليمية، وفي تنشئة أجيال تمتلك الكفاءة للتفاعل بأمان في مجتمع رقمي متسارع، مما يخدم أهداف التنمية المستدامة والأنظمة التعليمية المعاصرة.
الشبكة العنكبوتية كمنبع غني للمعرفة
يؤكد الخبير التربوي فيصل تايه في هذا الإطار أن تبني برامج الأمان الرقمي وتدريب المتعلمين على الاستهلاك الواعي للإنترنت داخل المدارس يُشكل تحولاً تربوياً عميقاً يتخطى كونه مجرد إجراء وقائي، ليغدو ركيزة أساسية في بناء بيئة تعليمية متكاملة وآمنة، قادرة على صقل مهارات الطلبة بما يتوافق مع متطلبات القرن الحادي والعشرين.
ويُبين تايه أن الإنترنت يمثل أداة زاخرة بالمعرفة ومحفزاً للإبداع، غير أنه ينطوي في الوقت ذاته على تحديات نفسية ومجتمعية جسيمة إذا ما استُخدم دون وعي. وهذا يُحتم على المدارس مسؤولية تسليح الطلبة بوعي رقمي، إلى جانب المحتوى الأكاديمي، يؤهلهم للتعاطي النقدي مع المعلومات، ويقيهم من المخاطر، ويؤسس لاستقلالية فكرية تُعينهم على اتخاذ قرارات سليمة.
ويضيف أن الطلبة الذين يحظون بتوجيه منهجي حول الاستعمال الأمثل للإنترنت يُطوّرون كفاءة عالية في التمييز بين الحقائق والمعلومات المضللة، ويكونون أكثر استعداداً للانخراط الفاعل في البيئات التعليمية بشقيها الرقمي والواقعي.
ويرى أن إشراف المعلمين الأكفاء يُحول التعلم الرقمي إلى مساحة إنتاجية قائمة على البحث والتحليل والابتكار، مما يُسهم في تنمية مهارات القرن الحادي والعشرين كالتفكير الناقد وإدارة الوقت، ويجعل التعلم أكثر استدامة.
كما يلفت إلى البعد النفسي والاجتماعي للسلامة الرقمية؛ فإحساس الطلبة بالأمان الإلكتروني يُضاعف من تركيزهم، ويحد من مشاعر التوتر والقلق المرافقة للتنمر الإلكتروني أو الاصطدام بمحتوى غير ملائم. ويوضح أن توفير فضاء رقمي آمن يرتقي بجودة التعلم ويخلق مناخاً إيجابياً يمنح الطلبة الثقة للتعبير والمشاركة.
ويُشدد على الدور المحوري لأولياء الأمور والمجتمع في دعم هذه الجهود، مبيناً أن تكامل أدوار الأسرة والمدرسة يُرسخ ثقافة الوعي الرقمي ويضمن استدامتها، مما يجعل التربية الرقمية مسؤولية جماعية. ويختم بأن الاستثمار في السلامة الرقمية هو التزام استراتيجي لبناء جيل مهيأ لمواجهة تحديات المستقبل، لتخريج مواطنين رقميين يتسمون بالمسؤولية والتوازن النفسي.
العالم الافتراضي كامتداد أصيل للمحيط المدرسي
من جهتها، تُشير الخبيرة التربوية د. حنان العمري إلى أن العالم يمر بتحول رقمي شامل أعاد صياغة أنماط الحياة والعمل والتعلم، حتى غدا الفضاء الرقمي امتداداً طبيعياً للبيئة المدرسية.
وتُبين أن مفاهيم الأمان الرقمي والاستعمال الحكيم للإنترنت برزت كمرتكزات رئيسية لضمان جودة التعليم في القرن الـ21. وتوضح أن هذه السلامة تشمل طيفاً من المعارف والمهارات التي تُمكّن المتعلمين من توظيف التكنولوجيا بمسؤولية تحفظ خصوصيتهم وصحتهم النفسية والاجتماعية، وتدعم تفاعلهم الأخلاقي، متقاطعة مع الأمن السيبراني والوعي المعلوماتي.
وتُضيف أن إدماج هذه المفاهيم بات ضرورة تربوية لا خياراً إضافياً، نتيجة التمدد الهائل للمنصات واعتماد الطلبة على الإنترنت. وتُلفت إلى أن المدرسة المعاصرة أضحت بيئة هجينة تتداخل فيها العوالم الواقعية والافتراضية، مما يفرض مسؤولية مضاعفة لحماية الطلبة من التنمر وانتهاك الخصوصية والاحتيال.
وتقول إن تعزيز الأمان الرقمي يرفع من جودة التعليم عبر تعزيز الثقة في استخدام التقنية وزيادة انخراط الطلبة بنشاط. وتابعت قائلة: “كما يسهم بالحد من السلوكيات السلبية المؤثرة في التحصيل الأكاديمي والرفاه النفسي، ويعزز قيم الاحترام والمسؤولية في التفاعل الرقمي”.
مشددة على أن الجودة لا تتحقق بمجرد إدخال الأجهزة، بل ببناء ثقافة رقمية آمنة. وأوضحت: “إن الإدماج الفعال يتطلب منظومة متكاملة تبدأ بإطار سياسي وطني يدرج السلامة الرقمية ضمن معايير الجودة والاعتماد المدرسي، مرورا بتطوير المناهج لتضمين مفاهيم المواطنة الرقمية وحماية البيانات والتفكير النقدي عبر مختلف المواد الدراسية، وإعداد المعلمين مهنيا لتمكينهم من توجيه الطلبة وإدارة المواقف الرقمية داخل الصف، وتوفير بنية تحتية تقنية آمنة، وتعزيز الشراكة مع الأسرة لضمان الاتساق في الرسائل التربوية بين المدرسة والبيت”.
وأشارت إلى أن هذا التوجه يواجه تحديات عدة يمكن تلخيصها فيما يلي:
- الفجوة الرقمية بين الطلبة في الوصول للأجهزة.
- نقص التدريب لدى بعض المعلمين.
- الضغط الناتج عن كثافة المناهج الدراسية.
- مقاومة التغيير داخل المؤسسات.
- مخاطر الاستخدام المفرط للتكنولوجيا دون ضوابط.
وتؤكد أن تجاوز هذه التحديات يقتضي رؤية إصلاحية شمولية، مشيرة إلى تقارير “اليونسكو” التي طالبت بخضوع التكنولوجيا لسياسات تخدم التعلم الحقيقي، ومذكرة بتقرير عام 2023 الذي أكد أن الاستخدام غير المنظم لا يضمن نواتج أفضل، وأن دور المعلم يظل محورياً.
وأكدت قائلة: “إن هذه التوجهات ترتبط مباشرة بأهداف التعليم في القرن الحادي والعشرين، التي تركز على الكفاءة الرقمية والتفكير الناقد والتعلم مدى الحياة والمسؤولية الأخلاقية”. مضيفة أن إعداد متعلم قادر على الإبداع يتطلب تمكينه من مهارات الاستخدام الآمن.
توظيف الابتكارات التقنية لفتح آفاق تعليمية جديدة
في السياق ذاته، يُشدد الخبير التربوي عايش النوايسه على أن العصر الحديث يشهد تحولاً رقمياً متسارعاً فرضته الثورة التقنية، مُبيناً أن الفضاء الرقمي تجاوز دوره كأداة مساندة ليصبح امتداداً طبيعياً للفصل الدراسي.
ويُشير إلى أن هذا التحول أتاح فرصاً واسعة لتطوير طرق التدريس والانتقال نحو تعليم تفاعلي يتمحور حول الطالب، إلا أن هذه الفرص لن تحقق أثرها الكامل دون إطار متكامل للسلامة الرقمية يحمي الطلبة في فضاء تتزايد فيه المخاطر.
ويوضح أن توظيف التقنيات الحديثة يوسع المدارك ويسهل الوصول إلى المعرفة، ويمنح المعلم مساحة لتنويع أدوات التعلم ومراعاة الفروق الفردية. ويُتابع أن التعليم المعاصر مطالب بتوظيف الأدوات الرقمية والذكاء الاصطناعي لتحسين جودة المخرجات، مؤكداً أن نجاح هذا الانتقال مشروط بترسيخ مفاهيم السلامة الرقمية كشرط أساسي.
ويُحذر من أن الفضاء الرقمي يخفي مخاطر نفسية واجتماعية كالتنمر والاحتيال وانتهاك الخصوصية، وهي ممارسات تقوض دافعية الطلبة للتعلم. ويلفت إلى أن التوجيه المدرسي للاستخدام الواعي يحسن الجودة عبر تنمية التفكير النقدي تجاه المحتوى، مبيناً أن التمييز بين المصادر الموثوقة والمضللة أضحى مهارة أساسية.
ويُضيف أن تعلم الطلبة كيفية إدارة وقتهم وتحقيق التوازن بين التعليم والترفيه يرفع من تركيزهم ويُجنبهم التشتت. ويُؤكد الحاجة الملحة لتربية رقمية تبني شخصية مسؤولة، مبيناً أن تعزيز أخلاقيات التواصل واحترام الخصوصية يُشكل مواطناً رقمياً واعياً. ويختتم بأن المدرسة تتحول في هذا السياق إلى مؤسسة ترعى نمو الطالب القيمي في العالمين الواقعي والرقمي معاً.
