كشفت دراسة حديثة، نُشرت تفاصيلها عبر موقع «فيريويل هيلث»، أن المعاناة من الضوائق المادية قد تلحق ضرراً بالغاً بصحة القلب، يعادل أو يفوق في خطورته المسببات التقليدية المعروفة كالتدخين وارتفاع ضغط الدم. وغالباً ما تترافق الضغوط المالية المستمرة مع مشاعر سلبية قاسية مثل الاكتئاب، العزلة، والقلق، وهو ما يؤدي بدوره إلى تسريع عملية “شيخوخة القلب” ووضعه في دائرة الخطر الحقيقي.
كيف تنعكس الأزمات المادية على كفاءة القلب؟
استندت دراسة علمية نُشرت في الدورية الطبية «Mayo Clinic Proceedings» إلى تحليل السجلات والبيانات الصحية لنحو 280,323 شخصاً بالغاً. وقد خلص الباحثون إلى أن المحددات الاجتماعية للصحة، وهي مجموعة من المتغيرات الحياتية غير الطبية، تترك بصمة واضحة ومباشرة على صحة القلب والأوعية الدموية.
وقد برز عاملان أساسيان كأكثر المسببات ارتباطاً بتسريع شيخوخة عضلة القلب، وهما:
- غياب الاستقرار المالي والضغوط المادية المستمرة.
- انعدام الأمن الغذائي.
ويُقصد بمصطلح “عمر القلب” ذلك التقييم الذي يقيس مدى تدهور حالة القلب مقارنة بالعمر الزمني الحقيقي للفرد. فكلما تخطى عمر القلب العمر الفعلي، تضاعفت احتمالات التعرض للسكتات الدماغية والنوبات القلبية.
وفي هذا السياق، قال الدكتور أمير ليرمان، الباحث الرئيسي في الدراسة ومدير مركز أبحاث القلب والأوعية الدموية في مايو كلينك، إن الأطباء يركزون عادة على عوامل الخطر التقليدية مثل الكوليسترول والتدخين وضغط الدم والنوم، لكنهم لا يسألون المرضى عن العوامل الاجتماعية أو البيئية التي قد تؤثر في صحتهم العامة وصحة القلب. وأضاف أن النتائج تشير إلى ضرورة فحص الضغط المالي والمحددات الاجتماعية الأخرى للصحة بوصفهما جزءاً من التقييم الروتيني لمخاطر أمراض القلب.
التفسير العضوي لتأثير الإجهاد المالي على الجسم
رغم أن هذه الدراسة الرصدية لم تُصمم لتحديد الآليات البيولوجية الدقيقة التي تربط الأزمات المادية بأمراض القلب، إلا أن الثابت علمياً هو أن الارتفاع المزمن والمستمر في مستويات “الكورتيزول” (هرمون التوتر) يسهم بشكل فعال في رفع معدلات الكوليسترول وضغط الدم.
من جهته، أوضح الدكتور جون بي. هيغينز، أستاذ طب القلب والأوعية الدموية في كلية ماكغفرن الطبية بجامعة تكساس في هيوستن، أن الإجهاد المالي يُعد قوي التأثير لأنه مزمن ومتكرر وغالباً لا يمكن تجنبه. وأشار إلى أن الضغوط المالية المستمرة ليست مجرد عبء عاطفي، بل يمكن أن تسبب “تآكلاً ملموساً في الجهاز القلبي الوعائي”.
العلاقة المتشابكة بين التوتر والالتهابات المزمنة
يُعتقد طبياً أن التوتر المادي يولد حالة من الالتهاب المزمن الشامل في الجسم، مما يترتب عليه عدة مخاطر، أبرزها:
- تزايد تراكم الترسبات واللويحات داخل جدران الشرايين.
- الإصابة بـ “تصلب الشرايين”، مما يمهد الطريق للكوارث الصحية كالسكتات والنوبات القلبية.
- إرهاق عضلة القلب وجعل عملية ضخ الدم أكثر صعوبة بمرور الوقت نتيجة ارتفاع ضغط الدم.
ولا يُعد الالتهاب أمراً ضاراً بالمطلق؛ إذ يعتمد عليه الجسم لفترات قصيرة لمقاومة العدوى والتعافي من الإصابات. لكن الخطر الفعلي يكمن في استمراريته المزمنة التي تدمر صحة القلب، وهو تأثير يتفاقم بشدة عند تزامنه مع التدخين وارتفاع نسب الكوليسترول الضار.
دلالات الدراسة والتوجهات المستقبلية للوقاية
يأمل القائمون على هذه الأبحاث أن تُشكل معطياتهم جرس إنذار لمقدمي الرعاية الصحية للاهتمام بتقييم المخاطر غير التقليدية لدى المرضى، وأن تدفع صناع القرار لتبني استراتيجيات وقائية أكثر شمولية.
وقد أكد هيغينز أن الوقاية يجب أن تكون طبية واجتماعية في آن واحد، من خلال تحسين ضغط الدم ومستويات الدهون والسكري والنوم والنشاط البدني، إلى جانب تقييم العوامل الاجتماعية والتعامل معها بشكل منظم.
