انطلاقاً من فكرة إنسانية نبيلة في أحد أزقة وسط العاصمة، تبلورت مبادرة مطعم “عزوتي” لتغدو نموذجاً وطنياً فريداً في مجال التكافل الاجتماعي. وقد نجح هذا المشروع في تحويل النظرة الكلاسيكية للصدقة إلى علاقة تشاركية تحترم إنسانية الأفراد وتساوي بينهم، رافعاً شعار “عازم ومعزوم”.
البدايات والدوافع الإنسانية
وفي تصريح لوكالة الأنباء الأردنية ، أوضح محمود النابلسي، مؤسس هذا المشروع، أن جذور “عزوتي” تعود إلى عام 2015، حيث نبعت الفكرة من الإدراك التام للضغوط المالية والمعيشية التي تثقل كاهل شريحة كبيرة من المواطنين في الأردن، وتحديداً الصعوبة في توفير الغذاء الذي يُعد من أبرز وأهم المتطلبات الأساسية.
وشرح النابلسي أن المطعم يعتمد نهجاً استثنائياً مبتكراً؛ حيث يُتاح للشخص المقتدر أو “العازم” فرصة المساهمة المباشرة في توفير طبق لشخص آخر وهو “المعزوم”. وتكتمل الصورة الإنسانية بجلوس الطرفين على طاولة واحدة لتناول ذات الطعام، بعيداً عن أي فوارق أو تصنيفات اجتماعية، مشدداً على أن الغاية تتجاوز مجرد إطعام المحتاج، لتصل إلى بناء جسور من التآلف والتقدير المتبادل.
دلالات التسمية والاعتماد المطلق على التطوع
ولفت إلى أن انتقاء مسمى “عزوتي” لم يأتِ بمحض الصدفة، بل جاء محملاً بمعانٍ مجتمعية أصيلة، إذ تُعبر الكلمة في الثقافة العربية عن السند والعون. وبإقترانها بياء الملكية، تتحول إلى رسالة عميقة تؤكد أن تكاتف المجتمع هو الداعم الحقيقي لأبنائه، وأن حفظ الكرامة حق مكفول للجميع.
وبحسب النابلسي، فإن آلية العمل في المطعم تقوم بشكل كامل على سواعد المتطوعين، دون وجود أي عمال يتقاضون أجوراً. وتتركز مهام فريق التطوع في إعداد أطباق شعبية وصحية تشمل الفلافل، الحمص، الفول، قلاية البندورة، ومفركة البيض، إلى جانب حلويات بسيطة، مع الالتزام الصارم بمعايير النظافة والجودة الغذائية. ونوّه إلى أن المبلغ الذي يدفعه “العازم” يُخصص حصراً لتغطية ثمن الوجبة، المصاريف التشغيلية، وأجرة المكان، دون تحقيق أي هوامش ربحية.
إنجازات وتكريم ملكي
وأفاد بأن المبادرة تمكنت منذ تأسيسها من توزيع ما يزيد عن 360 ألف وجبة، وهو ما لعب دوراً محورياً في ترسيخ ثقافة العطاء التشاركي داخل المجتمع المحلي، وكسر الحواجز النفسية المرتبطة بالأساليب التقليدية للعمل الخيري. وأشار إلى أن هذه التجربة بثت في نفوس المستفيدين إحساساً بالانتماء والكرامة، وولّدت وعياً مجتمعياً حديثاً بأن التصدي للفقر والجوع هو مسؤولية جماعية.
وفي محطة شكلت علامة فارقة في مسيرة المبادرة، نال القائمون على “عزوتي” قبل أيام قليلة تكريماً من جلالة الملك عبدالله الثاني. وقد وصف النابلسي هذه اللفتة بأنها دعم معنوي عظيم ورسالة وطنية واضحة تؤكد أن المشاريع الإنسانية المبتكرة، التي تضع صون كرامة الإنسان في المقام الأول، تجد كل التقدير والرعاية، وتُعد شريكاً أساسياً في بناء مجتمع متماسك.
التوسع الجغرافي وعبق المكان
وأوضح أن هذا الاحتفاء ساهم في تقوية روح التعاون، وزاد من ثقة الأفراد والمؤسسات بالمبادرة، مما مهد الطريق لفتح آفاق أوسع من الشراكات والدعم. وأكد أن “عزوتي” انتقل من مجرد مبادرة محلية ليصبح نموذجاً قابلاً للتوسع؛ إذ تم تدشين فرع في سلطنة عمان، بالإضافة إلى التوسع محلياً عبر افتتاح فرع جديد في محافظة البلقاء، مع وجود خطط مستقبلية لتصدير هذه التجربة إلى دول عربية أخرى.
وعن موقع المطعم الحالي، أشار النابلسي إلى أنه يكتسب طابعاً مميزاً لتواجده في “درج الكلحة”، الذي يُعد من أبرز المعالم الثقافية والفنية الرابطة بين جبل اللويبدة وقلب العاصمة عمان. ويتميز هذا الدرج الذي يمتد تاريخه لقرابة 100 عام، بطابعه التراثي الذي يعكس بساطة العيش وغنى الحياة الشعبية، ليبقى شاهداً حياً على تحولات عمان محتفظاً في الوقت ذاته بهويته الأصيلة.
وختم النابلسي حديثه بالتأكيد على أن “عزوتي” ليس مجرد مطعم، بل هو رسالة مجتمعية تؤمن بأن العطاء الحقيقي ينطلق من احترام الإنسان، وأن المجتمع القادر على أن يكون “عزوة” لأفراده، هو مجتمع أكثر قوة وتماسكاً، وقادر على تحويل المبادرات الإنسانية إلى ثقافة يومية راسخة.
