الأحد, فبراير 22, 2026
الرئيسيةالثقافة والمجتمعمواجهة تحدي هدر الطعام في رمضان: استراتيجيات لتعزيز الوعي والحد من الفاقد

مواجهة تحدي هدر الطعام في رمضان: استراتيجيات لتعزيز الوعي والحد من الفاقد

مع حلول شهر رمضان المبارك، تتجدد مشاهد الموائد العامرة في الأردن، حيث تتنوع الأطباق وتفيض الخيرات تعبيراً عن قيم الكرم والتكافل التي تميز هذا الشهر الفضيل. إلا أن خلف هذا المظهر الاحتفالي تكمن مفارقة مقلقة تتمثل في ارتفاع معدلات الاستهلاك بشكل كبير، وما يصاحبه من تزايد في هدر الطعام، مما يشكل عبئاً اقتصادياً وبيئياً جسيماً على البلاد.

تشير التقديرات الرسمية وشبه الرسمية إلى أن استهلاك بعض السلع الغذائية الأساسية، مثل اللحوم والدواجن، يشهد قفزة ملحوظة خلال رمضان، تتراوح نسبتها بين 30% و35%. يتزامن هذا مع معدلات هدر فردية تصل إلى حوالي 6.7 كيلوغرام شهرياً، وهو ما يكفي لإطعام شخص آخر لمدة شهر كامل وفقاً لبعض الحسابات. وعلى الرغم من غياب دراسات دولية تركز على هدر الطعام في المواسم والأعياد، إلا أن المؤشرات المحلية تؤكد أن شهر رمضان يشهد زيادة واضحة في الفاقد الغذائي، خاصة في المنازل التي تتصدر قائمة القطاعات الأكثر هدراً.

لا يقتصر أثر هدر الطعام على الجانب الاقتصادي والاجتماعي فحسب، بل يمتد ليشمل أبعاداً بيئية خطيرة. فالنفايات الغذائية التي تنتهي في مكبات النفايات تتحلل لتطلق غاز الميثان، وهو أحد الغازات الدفيئة القوية التي تساهم في تفاقم ظاهرة التغير المناخي. ويشكل هذا تحدياً إضافياً للأردن، الذي يعاني أصلاً من شح في الموارد المائية وضغوط متزايدة على موارده الطبيعية.

الوعي والتخطيط: مفتاح التغيير

في ظل هذه المعادلة المعقدة بين وفرة الشهر الفضيل وندرة الموارد، يبرز الوعي والتخطيط السليم كعناصر حاسمة لضبط الاستهلاك والحد من الهدر. يتطلب الأمر تحويل قيم الاعتدال التي يدعو إليها الإسلام خلال رمضان إلى ممارسات يومية ملموسة، تبدأ من التخطيط المسبق للوجبات وشراء الاحتياجات الفعلية، وصولاً إلى إعادة استخدام الطعام الفائض والتبرع به للمحتاجين.

وعلى الرغم من عدم وجود دراسات متخصصة ودقيقة حول نسب هدر الطعام في رمضان تحديداً، إلا أن خبراء مثل المهندس تامر الروسان، مدير مديرية الإحصائيات الزراعية والبيئية في دائرة الإحصاءات العامة، يؤكدون على الارتباط الوثيق بين زيادة الاستهلاك وارتفاع معدلات الهدر. ويرجع الروسان ذلك بشكل رئيسي إلى السلوكيات الاستهلاكية للأفراد وضعف الوعي بأهمية التخطيط للولائم والعزائم.

تشير الدراسات المتاحة إلى أن المنازل هي المساهم الأكبر في هدر الطعام في الأردن، تليها قطاعات أخرى مثل المطاعم والفنادق. وتتفاوت أسباب الهدر بين هذه القطاعات، حيث يرتبط في المنازل غالباً بشراء كميات تفوق الحاجة وسرعة تلف بعض المنتجات مثل الخضروات والفواكه، بينما يتعلق في المطاعم والفنادق بمرحلة الإعداد والتجهيز وسلوكيات الموظفين والزبائن.

التداعيات البيئية لهدر الطعام في الأردن

يؤدي تحلل النفايات العضوية، بما في ذلك بقايا الطعام، في مكبات النفايات إلى إنتاج غاز الميثان، الذي يساهم بشكل كبير في الانبعاثات الدفيئة في الأردن. وبحسب وزارة البيئة، يشكل قطاع النفايات جزءاً رئيسياً من انبعاثات المملكة، حيث تعتبر المكبات المصدر الأكبر لغاز الميثان ضمن هذا القطاع.

إن كل زيادة موسمية في هدر الطعام، مثل تلك التي تحدث في رمضان، تزيد من الضغط على مكبات النفايات وتفاقم من مشكلة انبعاثات الميثان، بالإضافة إلى التحديات الأخرى المرتبطة بإدارة النفايات مثل الروائح والعصارة. كما يمثل هدر الطعام هدراً للموارد الطبيعية الأخرى التي استخدمت في إنتاجه ونقله وتبريده، مثل المياه والطاقة، مما يزيد من الضغط على موارد الأردن المحدودة.

استراتيجيات وآليات المعالجة

تدرك الحكومة الأردنية أهمية معالجة مشكلة هدر الطعام، وتعمل على وضع استراتيجيات وخطط عمل متكاملة للحد منها. وتشمل هذه الجهود تعزيز إدارة النفايات المتكاملة، وتشجيع التحول نحو الاقتصاد الدائري، والتركيز على تقليل النفايات من المصدر، وإعادة تدوير بقايا الأطعمة، وتحويلها إلى أسمدة عضوية أو طاقة.

وقد أصدرت وزارة البيئة تعليمات جديدة لفرز النفايات الصلبة من المصدر، تلزم المنشآت الصناعية والتجارية بفرز نفاياتها والاستفادة منها كقيمة اقتصادية. كما أطلقت الوزارة خطة إعلامية وتوعوية شاملة، بالتعاون مع وزارة الاتصال الحكومي، تهدف إلى رفع الوعي بأهمية الحد من هدر الطعام خلال شهر رمضان، وتشجيع السلوكيات الإيجابية مثل التخطيط المسبق للاحتياجات، وإعادة استخدام الطعام الفائض، والتبرع به للمحتاجين.

دور المواطن في مواجهة التحدي

تؤكد وزارة البيئة أن دور المواطنين أساسي ومكمل للجهود الحكومية في مواجهة تحدي هدر الطعام. وتدعو المواطنين إلى تبني ممارسات مسؤولة خلال شهر رمضان، بدءاً من التخطيط الجيد للوجبات وشراء الاحتياجات الفعلية، مروراً بإعادة استخدام الطعام المتبقي بشكل صحي أو التبرع به للجمعيات الخيرية، وصولاً إلى المشاركة في حملات النظافة والتوعية ونشر الثقافة البيئية بين أفراد الأسرة والمجتمع.

Omar Al-Zoubi
Omar Al-Zoubi
عمر الزعبي صحفي ومحلل أخبار، يتمتع بخبرة تزيد عن عشر سنوات في العمل مع مؤسسات إعلامية بارزة داخل الأردن وخارجه. يقدم تحليلات معمقة وتقارير ميدانية وصحافة استقصائية تغطي الأخبار الأردنية والأحداث العالمية في مختلف المجالات، مما يعزز مكانة jodaily.com.
مقالات ذات صلة

الأكثر شهرة

احدث التعليقات