انتشار فيروس الإنفلونزا في الأردن خلال هذا الموسم يُظهر اتجاهًا تصاعديًا سريعًا، مع ملاحظة ارتفاع في الإصابات الناتجة عن فيروس الإنفلونزا من النوع الفرعي H3N2، وهو نوع بدأ في الانتشار على المستوى العالمي خلال الأسابيع الأخيرة.
إن البيانات الوبائية التي نشرتها مراكز المراقبة الدولية تكشف أن هذا النوع الفرعي يتميز بسرعة الانتشار وشدة الأعراض لدى بعض الشرائح السكانية، وهذا يفسر الزيادة البارزة في زيارات أقسام الطوارئ المتعلقة بمشكلات الجهاز التنفسي مع انطلاق فصل الشتاء في الأردن. هذا الاتجاه، وفقًا للمعلومات المتوفرة، يشبه ما يحدث في عدة بلدان في المنطقة، ويبرز أهمية متزايدة للتطعيم السنوي، بالإضافة إلى متابعة أي تحولات في حدة الأعراض أو معدل انتقال الفيروس في الأسابيع القادمة.
تشير المعطيات الأولية من الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا إلى أن موسم الإنفلونزا الراهن قد يكون من أشد المواسم منذ فترة طويلة، وسط انتشار نوع فرعي جديد يُدعى H3N2 subclade K، وانخفاض نسب التطعيم، وتداخل أعراض الإنفلونزا مع كوفيد-19 والرشح بطريقة تثير الارتباك لدى ملايين المرضى والأطباء على حد سواء. وبينما تبدو معدلات كوفيد-19 منخفضة حاليًا، يتوقع الخبراء عودة الانتشار بقوة خلال الشهور المقبلة مع موسم الأعياد والأجواء الباردة. هذا التلاقي يجعل فهم خصائص هذا الموسم وتمييز الأمراض الفيروسية أمرًا حاسمًا.
كيف يتميز هذا الموسم عن مواسم الإنفلونزا الاعتيادية؟ تكشف بيانات الرصد العالمي أن الموسم الحالي انطلق باكرًا بشكل غير تقليدي في عدد من الدول، خاصة المملكة المتحدة واليابان، حيث تم تسجيل زيادات مبكرة في الإصابات ودخول المستشفيات. ويقول البروفيسور آدم فين من جامعة بريستول إن البداية المبكرة قد تشير إلى أن الفيروس الحالي ينتشر بسهولة أكبر نتيجة انخفاض مناعة السكان أو حدوث طفرات تمنحه قدرة أعلى على الانتقال. وفي الولايات المتحدة، أدى توقف بيانات المراقبة خلال إغلاق الحكومة لمدة 43 يومًا إلى فجوة صعبة في معرفة الحجم الحقيقي للانتشار.
وتُعد بداية الموسم في حد ذاتها عامل خطر؛ ففي بداية غير اعتيادية كهذه، يظل الكثير من كبار السن والأطفال والفئات الضعيفة غير محميين بعد، مما يرفع احتمال الإصابات الخطيرة. وتوضح الدكتورة أنتونيا هو من جامعة غلاسكو أن انتشار H3N2 تاريخيًا يرتبط بمعدلات وفاة أعلى مقارنة بسلالات أخرى مثل H1N1، خصوصًا لدى كبار السن.
ظهور المتحور H3N2 Subclade K… ما الذي يثير قلق العلماء؟ برز المتحور الجديد Subclade K في نهاية موسم الإنفلونزا في نصف الكرة الجنوبي، ثم انتشر بسرعة في أوروبا وآسيا. وأظهرت التحاليل أن أكثر من 87% من عينات H3N2 في المملكة المتحدة تنتمي إلى هذا المتحور، بينما أكدت بيانات اليابان وكندا نسبًا تصل إلى 90% من العينات. ويقول الدكتور توماس روسّو من جامعة بوفالو إن هذا المتحوّر يحمل سبع طفرات جديدة تجعله مختلفًا بما يكفي للابتعاد عن السلالة المرجعية المستخدمة في لقاح هذا العام (subclade J.2).
وتحذر الدكتورة هو من أن الطفرات الجديدة قد تكون بعيدة وراثيًا بشكل يسمح للفيروس بالتهرب جزئيًا من مناعة اللقاح أو المناعة الناتجة عن العدوى السابقة. كما تشير بيانات ميدانية أولية إلى أن الفيروس تسبب بارتفاع عدد الإصابات الشديدة في بعض الدول، مع دخول أعلى للمستشفيات بين الأطفال دون الخامسة وكبار السن، بحسب تصريحات الدكتور إيمانويل ماكّالي.
هل تختلف أعراض Subclade K عن أعراض الإنفلونزا الاعتيادية؟ لا تختلف الأعراض بشكل كبير، إذ تشمل: تبدو أعراض السلالة الجديدة من الإنفلونزا مشابهة جدًا للأعراض التقليدية التي يعرفها الناس كل عام؛ فالحمى والسعال وآلام العضلات واحتقان الأنف والإرهاق والصداع والإسهال خصوصًا لدى الأطفال تبقى العلامات الأكثر انتشارًا، إلا أن الأطباء يحذرون من أن Subclade K لا يتصرف دائمًا كأي إنفلونزا موسمية عادية، إذ تشير البيانات المبكرة إلى إمكانية تسببها بحمى أعلى من المعتاد وتطور أعراضها بوتيرة أسرع، ما يجعل المضاعفات أكثر احتمالًا لدى الفئات الهشة مثل الأطفال الصغار وكبار السن ومن يعانون من أمراض مزمنة.
ويقول الدكتور ويليام شافنر من جامعة فاندربيلت إنّه “لا توجد علامة واحدة تحدد نوع الفيروس”، لكن الفرق يكمن في سرعة ظهور الأعراض؛ فالإنفلونزا تظهر فجأة وكأن المريض “تعرض لضربة من شاحنة”، بينما يتطور كوفيد ببطء.
لماذا يصعب التمييز بين الرشح والإنفلونزا وكوفيد-19؟ يوضح المتخصصون أن الثلاثة يشتركون في أعراض متشابكة: السعال، ضيق التنفس، التعب، الصداع، آلام الجسم والتهاب الحلق. وفي حين يرتبط فقدان الشم بكوفيد-19، أصبح هذا العرض أقل شيوعًا مما كان عليه في السنوات الأولى للجائحة.
وتقول الدكتورة بريتي مالاني إن معرفة نوع الفيروس “يساعد الناس على التخطيط لحياتهم”، إذ تدوم الإنفلونزا وكوفيد-19 أطول من الرشح العادي، ويكون تأثيرهما أكبر على القدرة على العمل والدراسة. ويؤكد الأطباء بالإجماع أن الاختبار هو الطريقة الوحيدة الموثوقة لتمييز الإنفلونزا عن كوفيد-19. تتوفر الآن اختبارات منزلية مزدوجة تكشف عن الفيروسين، بينما يُنصح بإعادة الفحص بعد 48 ساعة في حال ظهور نتيجة سلبية مع استمرار الأعراض. وهذا مهم بشكل خاص للفئات المعرّضة لمضاعفات خطيرة، ممن قد يحتاجون إلى علاجات مثل باكسلوفيد أو تاميفلو.
ماذا نعرف عن فعالية لقاح الإنفلونزا ضد Subclade K؟ رغم الطفرات البارزة، تظهر البيانات الأولية من وكالة الأمن الصحي البريطانية UKHSA أن اللقاح يقدم حماية ملحوظة:
- فعالية بين 70% و75% لدى الأطفال (2–17 عامًا)
- فعالية بين 30% و40% لدى البالغين وهذه الأرقام، على الرغم من كونها أقل من المثالية، تبقى ضمن نطاق الفعالية الاعتيادي للقاح الإنفلونزا عالميًا (عادة بين 30% و60%). وتبيّن دراسات مخبرية في حيوانات النمس أن الأجسام المضادة تتعرف على المتحوّر بشكل أقل، لكن الاختبارات المخبرية لا تعكس الصورة الكاملة للحماية على أرض الواقع.
ويقول الدكتور جيمي لوبيز برنال من UKHSA: “مهما كانت السلالة التي ستسود هذا الشتاء، يبقى اللقاح أفضل وسيلة لحماية الفئات الهشة من المرض الشديد ودخول المستشفى.”
فيما يُظهر الخبراء قلقًا إضافيًا بسبب تراجع الإقبال على اللقاحات في الولايات المتحدة وبريطانيا منذ موسم 2021–2022. ويشير الدكتور روسّو إلى أن انخفاض التطعيم بالتزامن مع سلالة جديدة قد يشكل “الوصفة الكاملة لموسم سيئ جدًا”. كما يوضح شافنر أن جهاز المناعة يكون أقل استعدادًا عند مواجهة تحوّر بعيد وراثيًا، ما يزيد شدة انتشار الفيروس.
مخاطر الإصابة ومتى يجب طلب الرعاية الطبية؟ يؤكد الأطباء على أهمية مراقبة الحالات الخطرة خاصة بين: الأطفال دون سن الخامسة، كبار السن، أصحاب الأمراض المزمنة، الحوامل ومرضى نقص المناعة.
وقد تكون العلامات الخطيرة: الحمى الشديدة، صعوبة التنفس، الجفاف، رفض السوائل، الانخفاض في إنتاج البول، أو علامات التهاب رئوي. ويقول د. ماكّالي:”إذا شعرت أن طفلك ليس بخير، فاتبع حدسك واحضره للفحص.”
كيف يمكن الوقاية من هذا الموسم الشديد؟ توصيات الأطباء واضحة:
- الحصول على لقاح الإنفلونزا ولقاح كوفيد-19 المحدث
- ارتداء الكمامة في الأماكن المزدحمة
- غسل اليدين لمدة 20 ثانية
- الحفاظ على التهوية الجيدة
- تجنب التجمعات عند الإصابة
- حماية الفئات الهشة في المنزل وتبقى الوقاية خط الدفاع الأول؛ إذ يقول شافنر: “الكمامة والنظافة والمسافة الجسدية تبقى وسائل فعّالة، خصوصًا في ذروة الموسم.”
ويختلف موسم الإنفلونزا هذا العام عن المواسم التقليدية بسبب ظهور المتحور Subclade K، وتراجع التطعيمات، والبداية المبكرة للانتشار، وتداخل الأعراض مع كوفيد-19 والرشح.
ورغم وجود قلق مبرر، إلا أن اللقاح ما يزال يوفر حماية مهمة، خاصة ضد المرض الشديد. وتمثل الوقاية والاختبار والمتابعة الطبية السريعة عناصر أساسية لتقليل المخاطر خلال موسم قد يكون من أعنف المواسم في السنوات الأخيرة.
