تؤكد الجهات الحكومية أن التعديلات المقترحة على قانون الجامعات الأردنية تسعى لترسيخ مبادئ الحوكمة وضبط الموارد المالية في المؤسسات الأكاديمية الرسمية. في المقابل، أثارت المادة (21) من مسودة القانون تساؤلات مكثفة لدى أعضاء الهيئتين الإدارية والتدريسية، نظراً لتغييرها آلية صرف الحوافز المالية وتحديد مصادر تمويلها بوضوح.
ويبدي العاملون في القطاع الأكاديمي تخوفهم من تراجع مداخيلهم المالية نتيجة استثناء بعض البرامج التعليمية من حساب الحوافز. من جهة أخرى، تعتبر الجهات الرسمية أن هذه التعديلات لا تمس الرواتب أو الحقوق الوظيفية، بل تهدف إلى هيكلة عمليات الصرف لضمان الاستدامة المالية وتحقيق العدالة المرجوة.
وفي خضم هذا التباين، يبرز تساؤل إداري وقانوني حول طبيعة هذه الحوافز التي تقاضاها الموظفون لسنوات طويلة؛ فهل تُعتبر حقاً مكتسباً لا يجوز المساس به، أم أنها مجرد امتيازات مالية يمكن تعديلها وفقاً للتشريعات الجديدة؟
إعادة تنظيم المادة (21) وآثارها المتوقعة
وبحسب الفقرة الثانية من المادة (21) في مسودة القانون المعدل، يُسمح بصرف نسبة محددة من الرسوم التي يتم تحصيلها فعلياً من البرامج الدولية أو الموازية -إن وُجدت- لمرحلة البكالوريوس فقط. وتُحدد هذه النسبة بقرار من مجلس الجامعة وبناءً على توصية من مجلس الأمناء. كما يمنع النص التشريعي بشكل قاطع صرف أي حوافز مالية متأتية من برامج الدراسات العليا، أو الدراسة الخاصة، أو البرامج المرتبطة باتفاقيات.
ويشكل هذا التوجه تغييراً عن الأساليب التي طبقتها عدة جامعات خلال السنوات السابقة، حيث كانت تعتمد في حساب الحوافز على عوائد مالية من برامج أكاديمية متنوعة. وهذا التغيير هو ما دفع الموظفين للقلق بشأن قيمة مخصصاتهم، رغم تطمينات الحكومة بأن الغاية الأساسية هي فرض انضباط مالي وتوحيد معايير الصرف في جميع الجامعات الحكومية.
واتفقت آراء مجموعة من الأكاديميين والمختصين على أن التعديلات الواردة تفتح باباً للنقاش يتخطى البعد المالي، ليصل إلى تأثيرها المحتمل على استقرار البيئة الأكاديمية وطرق تحفيز الكوادر العاملة فيها.
آراء ومواقف المسؤولين والأكاديميين
وفي هذا السياق، صرح رئيس لجنة التربية والتعليم النيابية د. إبراهيم القرالة لصحيفة “الغد” موضحاً “أن اللجنة أقرت التعديل المتعلق بالمادة (21) بعد مناقشته، لكن المشروع ما يزال أمام مجلس النواب، الذي يملك صلاحية إدخال أي تعديلات يراها مناسبة خلال مناقشته تحت القبة.” وأشار إلى “أن اللجنة لم ترصد مخالفات أو تجاوزات في آلية صرف الحوافز المعمول بها سابقا، مبينا أن بعض الجامعات كانت تصرف حوافز للعاملين من إيرادات برامج الدراسات العليا، في حين كانت جامعات أخرى تعتمد على مصادر مختلفة وفق أنظمتها المالية.” وأضاف القرالة “أن الجدل حول التعديل برز بصورة أوضح بعد إقرار اللجنة له، إذ لفت أعضاء من هيئة التدريس والعاملين في الجامعات الانتباه إلى أن الحوافز التي يتقاضونها منذ سنوات قد تشكل بالنسبة لهم حقوقا مكتسبة، وأن أي تعديل قد ينعكس على دخولهم الشهرية، لافتا إلى أن هذه الملاحظات ظهرت في مرحلة لاحقة من النقاش، ما دفع نوابا إلى إبداء رغبتهم في إعادة بحث النص خلال مناقشات مجلس النواب.” وأكد “أن المادة ستخضع لنقاش موسع تحت قبة البرلمان، في ظل وجود وجهات نظر نيابية تدعو إلى إعادة النظر في التعديل، بما في ذلك الإبقاء على الصيغة السابقة إذا تبين أن النص الجديد قد يؤثر على الحقوق المالية للعاملين أو يفرض آثارا غير مقصودة على الجامعات الرسمية.”
من جهته، صرح رئيس جامعة مؤتة د. سلامة النعيمات محذراً “من أن التعديل المقترح على الفقرة الثانية من المادة (21) قد ينعكس بصورة مباشرة على الأوضاع المالية لأعضاء الهيئتين التدريسية والإدارية في الجامعات الرسمية، موضحا أن الحوافز التي يتقاضاها العاملون ترتبط إلى حد كبير بالإيرادات المتأتية من البرنامج الموازي، وبالتالي فإن أي تراجع في هذه الإيرادات سيؤدي إلى انخفاض قيمة حوافزهم.” وبيّن “أن الجامعات الرسمية شاركت في نقاشات سبقت إعداد مشروع القانون، وقدمت ملاحظات ومقترحات للجهات المعنية، للوصول إلى صيغة تحقق التوازن بين متطلبات الإصلاح المالي والمحافظة على استقرار العاملين، لكن عددا من تلك الملاحظات لم يؤخذ به في النسخة النهائية من مشروع التعديل.” وشدد على “أن انعكاسات التعديل لن تكون متساوية بين الجامعات، إذ ستكون أكثر وضوحا في الجامعات التي تعاني أساسا من ضعف الإقبال على البرنامج الموازي، كجامعات مؤتة، واليرموك، وآل البيت، والطفيلة التقنية، والحسين بن طلال، ما قد يؤدي إلى تراجع الحوافز التي يحصل عليها عاملوها، ويزيد من التحديات المالية التي تواجهها هذه المؤسسات.”
بدوره، أوضح أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأردنية د. حسن المومني “أن التعديلات المقترحة على قانون الجامعات يجب أن تكون استجابة للتطورات التي يشهدها قطاع التعليم العالي، وأن تنعكس إيجابا على المؤسسة التعليمية والعاملين فيها، بما يخدم المصلحة العامة ويعزز كفاءة الأداء والقدرة التنافسية للجامعات، لافتا إلى أن التشريعات الناجحة هي تلك التي توازن بين متطلبات التطوير الإداري والمالي وبين الحفاظ على بيئة جامعية مستقرة وقادرة على مواصلة رسالتها الأكاديمية.” وأكد “أن أي مشروع قانون يسبقه عادة نقاش واسع بين مختلف الأطراف المعنية، وهو أمر طبيعي في ظل وجود موروث قانوني وتشريعي تراكمي في الأردن، حيث غالبا ما ترافق التعديلات حالة من الجدل واختلاف وجهات النظر.” وختم مبيناً “أن اختلاف الآراء حول أي تعديل تشريعي لا يعني بالضرورة وجود خلل في القانون، وإنما يعكس تباينا في تقدير آثاره بين الأطراف المعنية، مؤكدا أن الكلمة الفصل في إقرار التشريعات تبقى للمؤسسة التشريعية، وفقا للآليات والصلاحيات التي حددها الدستور الأردني، بعد الاستماع إلى مختلف وجهات النظر ودراسة المصلحة العامة.”
