يتصاعد التساؤل حول مدى تأثير تدريب الكوادر التعليمية على المهارات التكنولوجية المتخصصة في تحسين جودة التعليم، وذلك بالتزامن مع إطلاق وزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية، بالشراكة مع وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة وبتنفيذ من مؤسسة “إنجاز”، برنامجاً تدريبياً مخصصاً لمشرفي ومعلمي المهارات الرقمية تحت مظلة مشروع “الشباب والتكنولوجيا والوظائف”.
ويُجمع المختصون في الشأن التربوي على أن تمكين المعلمين والمشرفين من هذه المهارات يلقي بظلاله الإيجابية المباشرة على مخرجات التعليم ومستوى إدراك الطلبة. ويرون أن التحول الرقمي الناجح لا يقتصر على توفير الأجهزة والبنية التحتية، بل يعتمد أساساً على كفاءة المعلم في توظيفها بشكل فعال داخل الغرفة الصفية. فالتدريب على مجالات متنوعة كتحليل البيانات، وإنترنت الأشياء، والألعاب التعليمية، يسهم في تنويع أساليب التدريس وبناء أنشطة تفاعلية تراعي الفروق الفردية للطلاب، مما ينقل العملية التعليمية من التلقين إلى التصميم والابتكار.
ويستهدف هذا البرنامج المتقدم، وفقاً للبيانات الرسمية، 136 مشرفاً ومشرفة، وما يقارب 6500 معلم ومعلمة يدرسون منهاج المهارات الرقمية في كافة المحافظات. وتأتي هذه الخطوة لتعميق الفهم التقني بعد أن استكمل المعلمون تدريبهم على أساليب تدريس المنهاج الحديث للصفوف من السابع وحتى الثاني عشر.
ويشمل التدريب ثمانية مجالات أساسية تغطي أنظمة وتأثيرات الحوسبة، الخوارزميات والبرمجة، الشبكات، تحليل البيانات، الذكاء الاصطناعي، إنترنت الأشياء، والحوسبة السحابية. وتعتمد الآلية على نموذج مدمج يمزج بين التعلم الذاتي، والجلسات الافتراضية، والتدريب الوجاهي الذي بدأ بالفعل للمشرفين لتمكينهم من نقل المعرفة لباقي الكوادر، بما ينسجم مع الإستراتيجية الوطنية للتعليم 2026–2030.
تحول جذري في دور المعلم
في هذا السياق، يرى الخبير التربوي فيصل تايه أن تدريب الكوادر على المهارات الرقمية يعد خطوة محورية للارتقاء بتدريس هذا المنهاج. وأكد أن القيمة الفعلية لا تُقاس بأعداد المستفيدين منه، بل بمدى قدرتهم على تحويل هذه المعارف التقنية إلى تطبيقات عملية يكتسب الطلبة من خلالها مهارات قابلة للتنفيذ في الواقع.
وأوضح تايه أن هذا المستوى من التدريب المتخصص في مجالات كالبرمجة والذكاء الاصطناعي يعكس تغييراً في دور المعلم؛ فلم يعد يقتصر دوره على التلقين أو معرفة المفاهيم، بل بات مطالباً بتوظيف التقنية لحل المشكلات وتمكين الطلبة من الإنتاج. وأشار إلى أن البدء بتدريب المشرفين يضمن استدامة المشروع، نظراً لدورهم في نقل المعرفة والمتابعة الميدانية.
كما شدد على ضرورة توفير بيئة تقنية ملائمة في المدارس من أجهزة وشبكات تواكب هذا التأهيل، مع أهمية قياس أثر التدريب لاحقاً من خلال مؤشرات واضحة تعكس قدرة الطلبة على التفكير الإبداعي والبرمجة، مؤكداً أن الهدف الأسمى هو تخريج طلبة قادرين على إنتاج المعرفة.
حصة صفية أكثر تفاعلاً وتشويقاً
من جهته، أكد الخبير التربوي د. محمد أبو عمارة أن التأهيل التكنولوجي للمعلم هو ركن أساسي في تطوير المنظومة التعليمية، مشيراً إلى أن المناهج الحديثة أو الأدوات التقنية تفقد قيمتها إذا لم يمتلك المعلم المهارات اللازمة لتفعيلها في الغرفة الصفية. وبين أن تباين الأجيال بين المعلمين يتطلب برامج تدريبية تراعي احتياجات الجميع، خاصة من تخرجوا قبل الانتشار الواسع للتكنولوجيا الحالية.
وأوضح أبو عمارة أن إدماج الذكاء الاصطناعي والمنصات التفاعلية يرفع من دافعية الطلاب للتعلم ويجعل الحصة أكثر تشويقاً وجاذبية، مما يساعد على ترسيخ المعلومات عبر إشراك حواس متعددة. وثمن خطوة تدريب هذا العدد الكبير من المعلمين والمشرفين كركيزة يمكن البناء عليها لنقل الخبرات للبقية.
ودعا وزارة التربية إلى تحديد الاحتياجات التدريبية بدقة بناءً على التغذية الراجعة من الميدان، والبدء بالفئات الأكثر حاجة للتأهيل لضمان العدالة بين الطلبة. وأكد أن الاستثمار في كفاءة المعلم الرقمية يمثل استثماراً مباشراً في جودة المخرجات، حيث يتيح له تبسيط المفاهيم وتلبية احتياجات الطلبة بفاعلية ونجاح.
مرحلة متقدمة من التطوير
في السياق ذاته، اعتبر الخبير التربوي عايش النوايسة أن هذا البرنامج التدريبي يمثل مرحلة متقدمة واستكمالاً لجهود الوزارة في تأهيل كوادرها، مؤكداً أن المعلم هو القناة الأساسية لإحداث أي تغيير إيجابي مهما بلغت جودة المناهج أو البنية الرقمية. وأضاف أن التدريب التقني المتعمق يمكن المعلم من تشخيص فجوات الطلبة وبناء إستراتيجيات تلبي احتياجاتهم الحقيقية.
ووصف النوايسة البدء بتدريب المشرفين وفق نموذج “تدريب المدربين” بأنه خيار منهجي سليم يضمن استمرارية الدعم الفني والمتابعة للمعلمين. وأشاد بالنموذج المدمج للتدريب الذي ينقل المتدرب من مستوى التلقي النظري إلى مستوى الأداء والتطبيق العملي المباشر.
وختم النوايسة بالإشارة إلى أن الأثر المتوقع سينعكس جلياً في تنمية الوعي الرقمي للطلبة وإعدادهم لمتطلبات سوق العمل المستقبلي والبيئات الرقمية المتطورة. وشدد على أن نجاح المبادرة يستوجب منظومة متكاملة تضمن توفير البنية التحتية، والمتابعة المستمرة، وتفعيل مجتمعات التعلم المهنية لتصبح هذه المهارات ممارسة يومية مستدامة تنعكس فعلياً على جودة التعلم.
