الإثنين, ديسمبر 1, 2025
الرئيسيةالثقافة والمجتمعموضة "الفينتج" تتصدر السوشال ميديا.. و"سوق الجمعة" يستعيد ألقه

موضة “الفينتج” تتصدر السوشال ميديا.. و”سوق الجمعة” يستعيد ألقه

مع ساعات الصباح الأولى، يكون “سوق الجمعة” قد ارتدى حلّته المعتادة استعداداً لاستقبال الزبائن؛ بسطات مصطفّة في صفوف طويلة، تتخللها ممرات ضيقة بالكاد تسمح بمرور المتسوقين، وعلى الرفوف تتكدّس الجاكيتات والقمصان والأحذية والحقائب في مشهد يغري بالبحث والتنقيب.

القطع المعروضة تحمل أسماء علامات تجارية عالمية، لكن بأسعار “غير معقولة” كما يصفها الباعة؛ أسعار تقل كثيراً عن نظيرتها في المحال التجارية. ولم يعد رواد “سوق الجمعة” أو محال “البالة” – كما يُطلق على متاجر الملابس المستعملة – يبحثون عن السعر المناسب فقط، بل باتوا ينجذبون أيضاً إلى القصّات الغريبة والقطع “المختلفة” التي تصلح لتصويرها وتحويلها إلى محتوى “ريلز” على السوشال ميديا، كإنجاز يجمع بين التوفير والموضة معاً.

خلال الأعوام الأخيرة، تحوّل التسوق من “سوق الجمعة” أو من محال البالة من سلوك يُنسب للطبقات الأقل دخلاً، إلى حركة اجتماعية آخذة في الاتساع فرضتها منصّات التواصل الاجتماعي، وأعادت تعريف معنى الملابس المستعملة.

هذا التحوّل يعكس تغيّراً عميقاً في طريقة تعاطي الأردنيين مع غلاء المعيشة؛ فلم يعد الشراء من هذه الأسواق مرادفاً للخروج من “المشهد الاجتماعي” أو الابتعاد عن الموضة، بل أصبح وسيلة لمواكبتها بأقل كلفة ممكنة.

قبل أقل من عقد، كانت كثير من الأسر تخفي لجوءها إلى هذه الأسواق، وتتعامل معها كخيار سري لا يُعلن إلا نادراً. اليوم، بات المشهد مختلفاً؛ شباب وفتيات يتجولون بين أكوام الملابس حاملين هواتفهم لتوثيق “الكنوز” التي يعثرون عليها بأسعار زهيدة، تحت عناوين مثل “تحدي العشرة دنانير” على “ريلز” السوشال ميديا.

يعرض صناع المحتوى ما استطاعوا شراءه بمبلغ لا يتجاوز عشرة دنانير، ثم يعودون إلى منازلهم محمّلين بحقائب بلاستيكية سوداء ممتلئة بقطع أنيقة يمكن تنسيق الواحدة منها بأكثر من أسلوب و”ستايل”.

تجربة غيّرت النظرة

تروي “أم أسعد” أن زيارتها الأولى لسوق الجمعة بصحبة أبنائها جاءت بعد أن تابعت على السوشال ميديا مقاطع تعرض قطعاً مميزة تحمل علامات تجارية معروفة. وهناك، تقول إنها وجدت ما جعلها تغيّر رأيها تماماً؛ إذ اشترت جاكيتات وملابس شتوية لها ولأبنائها، وحتى لشقيقاتها، بالإضافة إلى إكسسوارات لافتة وأحذية شتوية، وكل ذلك بمبلغ لم يتجاوز 25 ديناراً.

وما إن غادرت السوق حتى سارعت إلى الاتصال بصديقاتها، ومشاركتهن صور المشتريات وهي تقول لهن:

“إنتو بتضيعوا فلوسكم.. من هون بتقدروا تجيبوا أحلى القطع وبأقل الاسعار”!

من “ملابس مستعملة” إلى “فينتج”

يُرجع أستاذ علم الاجتماع الدكتور حسين خزاعي هذا التحول إلى عدة أسباب، من أبرزها تغيّر اللغة المستخدمة في وصف هذه الملابس؛ فبدلاً من تسميتها “قديمة” أو “مستعملة”، بات يُستخدم مصطلح “فينتج” الذي يمنحها قيمة ثقافية وذوقية. فالتغيير في الكلمة – كما يقول – ينعكس مباشرة على السلوك المرتبط بها.

ويضيف خزاعي:

“إن ما يحدث ليس مجرد تبدل اقتصادي، بل اجتماعي وثقافي أيضا، فهناك تحول في معايير الفخر الاجتماعي، فجيل الشباب اليوم لا يخجل من الإعلان أن قطعة جميلة كلفتها دينارين، بل يعتبر ذلك دلالة على الذكاء”.

ويكمل أن إعادة تعريف الذوق، التي تقودها السوشال ميديا وتعيد تشكيل النظرة الاجتماعية للمستعمل، جعلت السلوك الذي كان يمارس سرا يخرج إلى العلن، ويتحول إلى محتوى يحظى بآلاف المشاهدات. ويلفت إلى أن كل ذلك ساهم في كسر وصمة الشراء من الأسواق الشعبية المستعملة، ونقل التجربة من خانة “الضرورة” إلى خانة “الخيار”.

ويرى أن مع كل فيديو ينشره أحد صناع المحتوى، يشعر آلاف المتابعين أن ما يفعلونه ليس خروجاً على “البرستيج”، بل جزء من موجة جماعية. ويقول خزاعي:

“في المجتمعات التي تمر بضغوطات اقتصادية، تصبح السوشال ميديا مرآة تظهر قبولا اجتماعيا سريعا، فالناس يرون أن الجميع يفعل الشيء نفسه، فيتبدد الإحراج ويحل الشعور بالمشاركة”.

قيمة اقتصادية واجتماعية مضاعفة

من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي حسام عايش أن “سوق الجمعة” اكتسب بعداً جديداً؛ فلم يعد فقط ملاذاً اقتصادياً، بل أصبح أيضاً “موضة” ومنافساً حقيقياً على منصات السوشال ميديا.

ويؤكد أن البالة ومحال بيع البضائع القديمة والمستعملة تؤدي دوراً اقتصادياً أساسياً في حياة الكثير من العائلات الأردنية، خاصة في ظل تزايد الأعباء وارتفاع تكاليف المعيشة عاماً بعد عام، مع التضخم وعدم مواكبة الرواتب لهذا الارتفاع.

ويشير عايش إلى أن هذه الأسواق أسهمت في خلق نوع من التوازن في سوق يعاني من ارتفاع أسعار الملابس وضعف القدرة الشرائية، قائلاً:

“سوق الجمعة أصبح جزءا من بنية الاقتصاد الاستهلاكي للأردنيين، إذ تمكنت العائلات من شراء احتياجاتها بأقل التكاليف، وفي بعض الحالات هي الخيار الوحيد لها”.

ويضيف أن محتوى السوشال ميديا الذي يسلّط الضوء على هذه التجربة ساعد في تعزيز الإقبال، لأنه يظهر أن الشراء من هذه الأسواق ليس مجرد حل اضطراري، بل خيار ذكي وجذاب لبعض الفئات.

“الفينتج” أمام الكاميرا

من يراقب هذه الأسواق اليوم يلحظ بسهولة أن عدداً من روادها يتحركون أمام الكاميرات، متحدّين جمهورهم بأنهم سيتمكنون من شراء قطع جميلة و”فينتج” بأقل الأسعار؛ غالباً ما تكون من بنطلونات الجينز العريضة، جاكيتات الجلد القديمة، أو الأحذية ذات التصاميم الغريبة، المصنوعة من جلود أصلية ونقشات نادرة.

ويشير خزاعي إلى ثلاثة أسباب رئيسية لهذا السلوك:

  1. الضغوط الاقتصادية التي تدفع الناس للبحث عن بدائل عملية.
  2. الرغبة في مواكبة الموضة دون تكبّد تكاليف باهظة.
  3. القبول الاجتماعي الرقمي الذي منح المشترين مساحة للتعبير عن خياراتهم من دون خجل أو حرج.

وبين الاقتصاد والموضة، يبدو أن “موضة الفينتج” لم تعد مجرد موجة عابرة، بل تحوّلت إلى جزء من أسلوب عيش شريحة واسعة من الشباب والأسر، أعادت “سوق الجمعة” إلى الواجهة، ومنحته دوراً اجتماعياً وثقافياً جديداً إلى جانب دوره الاقتصادي.

Omar Al-Zoubi
Omar Al-Zoubi
عمر الزعبي صحفي ومحلل أخبار، يتمتع بخبرة تزيد عن عشر سنوات في العمل مع مؤسسات إعلامية بارزة داخل الأردن وخارجه. يقدم تحليلات معمقة وتقارير ميدانية وصحافة استقصائية تغطي الأخبار الأردنية والأحداث العالمية في مختلف المجالات، مما يعزز مكانة jodaily.com.
مقالات ذات صلة

الأكثر شهرة

احدث التعليقات