أكدت فاعليات اقتصادية وخبراء في تكنولوجيا الهندسة الاستشارية والتخطيط الحضري والمدن المستدامة والبنى التحتية، أن مشروع مدينة عمرة يمثل فرصة استراتيجية لافتتاح مرحلة جديدة من النمو الشامل في المملكة، مشيرين في تصريحاتهم لـ(بترا) إلى أنه من أبرز المشاريع التنموية في الأردن، لما يحمله من تحول نوعي في إدارة النمو السكاني، ودعم المسار الاقتصادي، وفتح آفاق واسعة أمام القطاع الخاص وتحفيز مختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية.
وأطلق رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان، أمس، مشروع مدينة عمرة، بوصفه نموذجاً جديداً للتطوير الحضري وإدارة النمو السكاني طويل الأمد، ضمن رؤية تراعي معايير الاستدامة والحداثة، وتوفر فرصاً استثمارية واقتصادية واعدة على امتداد مراحله.
محور تنموي شامل لا توسعاً عمرانياً تقليدياً
رئيس جمعية رجال الأعمال الأردنيين، أيمن العلاونة، اعتبر أن إطلاق مشروع مدينة عمرة يعد من أهم المشاريع التنموية التي يشهدها الأردن في تاريخه الحديث، لما يعكسه من انتقال استراتيجي في أسلوب التعامل مع النمو السكاني ودعم الاقتصاد الوطني، وبما يتيحه من مساحات واسعة أمام القطاع الخاص للمشاركة والاستثمار.
وأوضح أن عمرة ليست مجرد امتداد عمراني جديد، بل محور تنموي متكامل يسهم في خلق فرص عمل وتحريك عدد من القطاعات الاقتصادية، مثل الإنشاءات والنقل والخدمات والتكنولوجيا والسياحة، مبيناً أن المساحات الواسعة وتنوع استخدامات الأراضي في المدينة يجعلها منصة استثمارية منظمة تُطرح لأول مرة في الأردن ضمن بيئة تشريعية وقانونية مستقرة.
مدينة ذكية وفرص واسعة لقطاع الاتصالات والتكنولوجيا
من جانبه، أكد ممثل قطاع الاتصالات في غرفة تجارة الأردن هيثم الرواجبة، أن الإعلان عن مدينة عمرة يشكل فرصة استراتيجية لقطاع التكنولوجيا والاتصالات، ويضع الأردن أمام مرحلة جديدة من التطوير الحضري الذكي.
وأضاف أن المشروع يقدم نموذجاً متقدماً لـ مدينة مستقبلية تعتمد على حلول رقمية قائمة على التقنيات البيئية والطاقة النظيفة وأنظمة النقل الذكي، مشيراً إلى أن تخصيص مناطق استثمارية وتعليمية وتجارية وصناعية ضمن مخطط المدينة الشامل، يوفر بيئة جاذبة لشركات الاتصالات والتكنولوجيا، خصوصاً مع إدراج مركز تكنولوجي ومرافق تعليمية متقدمة في المرحلة الأولى.
وبيّن أن اعتماد عمرة على بنية تحتية رقمية وذكية يفتح المجال أمام شركات القطاع لتطوير حلول في مجالات الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء وتطبيقات المدن الذكية.
قفزة نوعية لقطاع المقاولات والإنشاءات
نقيب المقاولين الأردنيين فؤاد الدويري وصف مشروع عمرة بأنه نقطة تحول استراتيجية لقطاع الإنشاءات في الأردن، نظراً لضخامته الاستثمارية، والفترة الزمنية الطويلة الممتدة لنحو ربع قرن، وتنوع المشروعات التي يتضمنها، ما يجعله من أكثر المشاريع قدرة على إحداث أثر تراكمي في الاقتصاد عموماً وقطاع المقاولات خصوصاً.
وأشار إلى أن أهمية المشروع تنبع من توفيره مصدراً مستداماً لتشغيل شركات المقاولات، إذ إن تنفيذ مشروعات شاملة للبنية التحتية ومرافق رياضية وسياحية وتعليمية وصناعية وترفيهية سيُنشئ دورة عمل طويلة الأمد، تحفظ استمرارية الطلب على خدمات الشركات بعيداً عن موسمية المشاريع أو قصر مدتها، بما يعزز الاستقرار المالي والتشغيلي للقطاع ويحد من حالات التعثر والتذبذب خلال فترات الركود.
ولفت الدويري إلى أن المدينة ستكون مولداً لفرص العمل في قطاع الإنشاءات لعقود مقبلة، سواء من خلال الوظائف المباشرة للمهندسين والفنيين والعمال، أو عبر الفرص غير المباشرة في القطاعات المساندة مثل صناعات الإسمنت والحديد ومواد البناء، وقطاع النقل والخدمات اللوجستية والتوريد والتجهيزات الكهربائية والميكانيكية، ما يرفع مساهمة القطاع في الناتج المحلي، ويزيد قدرته على استيعاب البطالة بين الشباب.
كما أشار إلى أن تبنّي مفاهيم الاستدامة والطاقة النظيفة والبناء الأخضر ضمن المشروع سيقود إلى تحول هيكلي في طريقة عمل شركات المقاولات، ويدفعها لتحديث تقنياتها ورفع كفاءة كوادرها وتطبيق أنظمة بناء حديثة ومعايير عالمية في الجودة والسلامة وإدارة المشاريع.
وأكد أن ضخ الاستثمارات في عمرة عبر نموذج الشراكة مع القطاع الخاص سيعزز ثقة المستثمرين بقطاع الإنشاءات ويوسع قاعدة التمويل للمشاريع الكبرى، ويهيئ بيئة تنافسية صحية، ويرفع من قدرة الشركات الوطنية على النمو والاستمرار، موضحاً أن بدء تنفيذ المرحلة الأولى سيشكل محفزاً قوياً لتنشيط الاستثمار في قطاع المقاولات خلال السنوات المقبلة، خاصة بعد فترة تراجع ملحوظ في حجم المشاريع.
نقل عام متطور ومدينة قائمة على الحركة المستدامة
الأمين العام للاتحاد العربي للنقل البري مالك حداد اعتبر أن «مدينة عمرة» فرصة تاريخية لبناء مدينة حديثة بمعايير عالمية، مؤكداً ضرورة أن يشكل النقل العام العمود الفقري للتطوير الحضري فيها، حتى لا تتحول إلى مجرد ضاحية جديدة تعتمد على السيارات الخاصة.
وأوضح أن الرهان يجب أن يكون على جعل النقل العام هو الخيار الطبيعي والمريح للسكان، من خلال تخطيط عمراني يركز على إنشاء أحياء سكنية وتجارية مكثفة ومختلطة الاستخدامات حول محطات النقل العام، بحيث لا يبعد الوصول إلى المحطة سيراً أو بالدراجات أكثر من 5–10 دقائق (400–800 متر).
ودعا حداد إلى ربط رخص البناء بمواقع محطات النقل، وتنفيذ حملات توعية مبكرة لترسيخ ثقافة النقل العام والتركيز العمراني حول هذه المحطات، مع الاستثمار المبكر في الأنظمة الذكية، مشدداً على أهمية شراكة حقيقية مع القطاع الخاص في تمويل وتشغيل منظومة النقل، ومرونة في التخطيط للتكيف مع التقنيات المستقبلية مثل المركبات ذاتية القيادة.
فرصة كبيرة للقطاع المالي والمصرفي
ممثل القطاع المالي في غرفة تجارة الأردن، فراس سلطان، رأى في مشروع عمرة فرصة استثمارية واستراتيجية مهمة للقطاع المالي والمصرفي، بوصفه نموذجاً متقدماً للتطوير الحضري المستدام يتيح للقطاع تقديم حلول تمويلية مبتكرة تدعم الاستثمارات والمشاريع الاقتصادية داخل المدينة.
وأوضح أن تخصيص أراضٍ لمشروعات استثمارية وتجارية وتعليمية وصناعية في المرحلة الأولى يخلق بيئة نشطة لتوسيع نطاق الخدمات المصرفية للشركات والمستثمرين، مؤكداً أن المشروع سيسهم في خلق فرص عمل جديدة، وينعكس إيجاباً على حركة القطاع المالي من خلال زيادة حجم الاستثمارات والتمويلات المطلوبة لمراحل التنفيذ المختلفة، ورفع القدرة التنافسية للمملكة في جذب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية.
رؤية تنموية شاملة وقرى إنتاجية ذكية
الخبير التنموي الدكتور محمد الفرجات وصف إطلاق المشروع بأنه لحظة فارقة في مسار التنمية العمرانية في الأردن، مؤكداً أنه ليس مشروع إسكان اعتيادياً، بل رؤية شاملة تشرك الشباب في اقتصاد المعرفة والصناعة والإنتاج.
وبيّن أن شرق عمّان لم يعد يحتاج إلى توسع سكني فقط، بل إلى مدينة ذكية مستدامة تخفف الضغط عن العاصمة عمّان ومدينة الزرقاء، وتفتح مجالات جديدة للاستثمار وفرص العمل والتنمية، مشيراً إلى أن عمرة ستكون ركيزة لتأسيس قرى إنتاجية ذكية في البادية، تسهم في إعادة توزيع السكان وتوفير الوظائف ومنح مناطق البادية دوراً فاعلاً في العملية التنموية.
بنية طاقة رقمية وذكية وحوكمة رقمية متقدمة
المختص بتطبيقات التكنولوجيا في الهندسة الاستشارية شاكر خليف أوضح أن نجاح مدينة عمرة يعتمد بدرجة كبيرة على إنشاء شبكة كهرباء ذكية، مبيناً أن نموذج الطاقة في المدينة سيكون هجيناً، يجمع بين محطات طاقة شمسية كبرى، وألواح شمسية على أسطح المباني، إضافة إلى مصادر متجددة أخرى تضمن استدامة الإمداد وتقليل الانبعاثات.
وأشار إلى أن المدينة ستقوم على بنية رقمية متكاملة تشكل «الجهاز العصبي» لها، تشمل شبكات الألياف الضوئية، وإنترنت الأشياء، وأنظمة إدارة البيانات المركزية والتوأم الرقمي، مع إنشاء هيئة مستقلة لإدارة البيانات ووضع سياسات صارمة لحماية الخصوصية وتعزيز الأمن السيبراني.
ولفت خليف إلى أهمية ربط عمرة بمنظومة الباص سريع التردد لتكون نقطة انطلاق لشبكة نقل ذكية ومتعددة الوسائط، تضم إدارة مرور ذكية، ومستشعرات وكاميرات ومراكز تحكم، ومناطق مخصصة للنقل التشاركي، ومحطات شحن للمركبات الكهربائية، استعداداً لمستقبل يعتمد على المركبات ذاتية القيادة.
وأكد أن نجاح التجربة يتطلب تبني حوكمة رقمية واضحة من خلال وثيقة تأسيسية تُعرف باسم «ميثاق عمرة الرقمي»، تحدد مبادئ الشفافية والمشاركة الرقمية واتخاذ القرارات المبنية على البيانات، مع تعيين مسؤول تنفيذي للبيانات يضمن تطبيق هذه المبادئ.
كما شدد على ضرورة وجود مجلس استشاري شبابي يلعب دوراً محورياً في الابتكار، لا مجرد هيئة شكلية، عبر برامج ابتكار مفتوحة، وميزانيات تشاركية، وبرامج لرواد الأعمال الحضريين، وتمثيل مباشر في اللجان الفنية للمشروع.
إسكان ميسّر وتخطيط متوازن لاستخدامات الأراضي
المختصة بالتخطيط الحضري والمدن الدكتورة لينا شبيب أشارت إلى أن توفير بدائل سكنية ميسّرة للشباب والطبقة الوسطى يتطلب تخصيص نسب من الأراضي لكثافات سكانية مختلفة بالقرب من محاور النقل العام، وفرض نسبة محددة من الوحدات الميسّرة ضمن المشاريع الكبرى، مقابل حوافز تشجيعية للمطورين.
ودعت إلى أن توفر المدينة خيارات سكنية متنوعة تشمل شققاً صغيرة ومتوسطة، وسكناً شبابياً، وأنظمة إيجار طويل الأجل، وبرامج تملك تدريجي مدعومة التمويل، مع أهمية تحديد استخدامات الأراضي مسبقاً لضمان توازن بين الأنشطة السكنية والتجارية والصناعية والسياحية، ومواءمة البنية التحتية مع الأحمال المتوقعة في كل منطقة، وتثبيت مساحات خضراء وممرات بيئية تحفظ جودة الحياة.
مرحلة أولى تشكّل النواة الحضرية للمدينة المستقبلية
المختص بالبنية التحتية وأنظمة الأبنية فوزي مسعد أكد أن المرحلة الأولى من مشروع عمرة تمثل النواة الأساسية للمدينة المستقبلية، إذ تتضمن خدمات حيوية ومشاريع بعمر تشغيلي طويل، تضمن قدرة المدينة على خدمة سكانها بكفاءة عالية.
وأوضح أن هذه النواة ليست مجرد بداية عمرانية، بل حجر أساس لمدينة تُبنى وفق رؤية واضحة ومعايير حديثة، بعيداً عن الإشكالات البنيوية التي واجهت المدن الأردنية سابقاً نتيجة التوسع غير المنظم تحت ضغط الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
وبيّن أن ميزة عمرة تكمن في كونها مدينة مخططة بالكامل، حيث تسبق التشريعاتُ البنيةَ التحتية والعمران، وتُصمم شبكات النقل قبل ظهور الازدحام، وهو ما يوفر بيئة حضرية عالية الكفاءة، متوافقة مع مبادئ الاقتصاد الأخضر والذكاء الحضري وسهولة الحركة والمعيشة المتكاملة.
وأشار مسعد إلى أن المرحلة الأولى ستستقطب في البداية شريحة محدودة من السكان، خصوصاً الشباب، بفضل فرص العمل في المهن الحديثة والوظائف التقنية والخدمية والإدارية، لتشكل هذه الفئة العمود الفقري للمدينة، مع ضبط النمو السكاني لتفادي الضغط على البنية التحتية، والحفاظ على توازن بين الطلب على الخدمات والقدرة الاستيعابية للمدينة.
كما لفت إلى أن امتلاك الحكومة لمساحات واسعة من الأراضي يتيح تجاوز التحديات التقليدية في المدن الكبرى، من خلال توفير أراضٍ بأسعار مناسبة للشباب، وتطوير نماذج سكنية حديثة ومرنة، وتنوع أنماط السكن بين وحدات صغيرة ومتوسطة وكبيرة، مع دعم حلول تمويلية ميسّرة.
