الخميس, يناير 15, 2026
الرئيسيةالتكنولوجياالأردن يقتحم عصر "الحكومة الذكية" بعد تصدره مؤشرات النضج الرقمي عالمياً

الأردن يقتحم عصر “الحكومة الذكية” بعد تصدره مؤشرات النضج الرقمي عالمياً

بينما يرى المتخصصون في الشأن التقني أن القفزة النوعية التي حققها الأردن في “مؤشر نضج الحكومة الرقمية” الصادر عن البنك الدولي هي ثمرة لجهود حكومية دؤوبة وتراكمية في مسار التحول الرقمي، إلا أنهم يجمعون على أن هذا الإنجاز يؤسس لمرحلة مفصلية جديدة تستدعي نهجاً مغايراً للانتقال نحو ما يُعرف بـ “الحكومة الذكية”.

ويرى الخبراء أن هذا التقدم يضع المملكة أمام استحقاقات ومسؤوليات أكبر للحفاظ على هذه المكانة المرموقة والعبور نحو الريادة الرقمية. ويستوجب ذلك التعامل مع ملف التحول الرقمي بوصفه مشروع دولة استراتيجي شامل، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بزيادة الإنتاجية، وتعزيز النمو الاقتصادي، وترسيخ الثقة العامة، وضمان السيادة الرقمية، متجاوزاً بذلك المفهوم التقليدي للتطوير التقني أو مجرد تحسين الواجهات الخدمية.

كما شدد الخبراء على أن ارتقاء الأردن في هذا التصنيف العالمي، رغم قيمته الكبيرة، يرسم ملامح مرحلة جديدة من التحول الرقمي المؤسسي الذي يعطي الأولوية لـ “جودة” الخدمات بدلاً من “كميتها”. وتتطلب المرحلة المقبلة استثمار حالة النضج المؤسسي الرقمي الراهنة لتبني مفهوم الحكومة الذكية بشكل كامل.

وفي هذا السياق، أشار المختصون إلى ضرورة تركيز الأردن مستقبلاً على تطويع تقنيات الجيل القادم، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، لتطوير كافة القطاعات الاقتصادية والخدمية، مع ضمان التنفيذ السريع والدقيق لمشاريع الاستراتيجية الوطنية الجديدة للتحول الرقمي.

تصنيف عالمي مرموق ضمن الفئة (A)

كشفت بيانات تقرير البنك الدولي لعام 2025 عن إحراز الأردن تقدماً لافتاً في مؤشر نضج الحكومة الرقمية، حيث تم تصنيف المملكة ضمن الفئة (A)، وهي الفئة الأعلى عالمياً في نضج التحول الرقمي الحكومي. ويعكس هذا التصنيف التطور الكبير في رقمنة القطاع العام ورفع كفاءة الخدمات المقدمة.

وبحسب التقرير، فقد سجل الأردن درجة كلية بلغت 91.4%، ليحتل بذلك المرتبة 21 على مستوى العالم، والمرتبة الرابعة عربياً خلف كل من السعودية والبحرين والإمارات، مما يرسخ مكانة المملكة كواحدة من أكثر الدول تطوراً في الممارسات الرقمية إقليمياً ودولياً.

التحول من الرقمنة الشكلية إلى المؤسسية

وفي تعليقه على هذا الإنجاز، قال ممثل قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في غرفة تجارة الأردن، هيثم الرواجبة: “مؤشر نضج التكنولوجيا الحكومية لا يقيس فقط وجود خدمات إلكترونية، بل يقيس مدى نضج الدولة في استخدام التكنولوجيا كمنظومة متكاملة تشمل الأنظمة الأساسية، جودة الخدمات الرقمية، الإطار التشريعي والمؤسسي، والقدرات البشرية والابتكار”. وأكد الرواجبة أن هذا التقدم يبرهن على انتقال الأردن الفعلي من مرحلة الرقمنة الشكلية إلى رقمنة مؤسسية عميقة وناضجة.

ثلاث أولويات للمرحلة القادمة

ورغم أهمية هذا الإنجاز، يرى الرواجبة أنه لا يجب التوقف عند هذا الحد، مشيراً إلى أن هذا المؤشر يدشن مرحلة جديدة تتطلب تعميق الأثر وتحويل المسار من مجرد “خدمة إلكترونية” إلى “حكومة رقمية ذكية” تقود عملية صنع القرار، وتحسن الكفاءة التشغيلية، وتقلل التكاليف.

وحدد الرواجبة ملامح المرحلة المقبلة بقوله إنها “يجب أن تركز على ثلاث أولويات واضحة، أولها تكامل البيانات الحكومية وبناء منصات مترابطة تدعم اتخاذ القرار القائم على البيانات والذكاء الاصطناعي”. ولفت إلى ضرورة التركيز على الخدمات ذات الأثر المباشر والعميق على حياة المواطنين والاقتصاد، مثل قطاعات الصحة، العدالة، البلديات، الاستثمار، الضرائب، والحماية الاجتماعية، مع العناية بتجربة المستخدم الشاملة وليس فقط الخدمة المنفردة.

وأضاف الرواجبة موضحاً الأولوية الثالثة: “ثالث أولويات تتمثل في التمكين البشري والتنظيمي عبر تطوير المهارات الرقمية، وتحديث التشريعات، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، لأن استدامة النضج الرقمي لا تُقاس بالتقنيات فقط، بل بقدرة المؤسسات والأفراد على استخدامها بفعالية ومرونة مع دخولها وتوغلها في صلب حياتنا اليومية وفي أساسيات أعمال القطاعات الاقتصادية كافة لتكون بمثابة شريان الحياة للناس والدول والاقتصادات حول العالم، لم تعد حوادث انقطاع خدمات الإنترنت أو توقفها مقبولة في فكرنا وتخيلنا، مما يستدعي بناء استراتيجيات على مستوى الحكومات والأفراد للحفاظ على استدامتها والتقليل من تأثيراتها السلبية لانقطاعها التي يمكن أن تُكبّد خسائر بمليارات الدولارات وفوضى واسعة النطاق”.

نقطة تحول استراتيجية وسيادة البيانات

من جهته، وصف الخبير في مجال التقنية والبيانات حمزة العكاليك تقدم الأردن في المؤشر بأنه “ليس مجرد إنجاز عابر، بل هو نقطة تحول إستراتيجية تعيد تموضع المملكة كقوة رقمية صاعدة في منطقة الشرق الأوسط”.

وأوضح العكاليك أن مؤشر البنك الدولي يغوص في عمق النضج المؤسسي ومدى دمج الدولة للتكنولوجيا في صلب صناعة القرار، وكفاءة الأنظمة الأساسية والممكنات التشريعية والأمنية. واعتبر أن تجاوز الأردن للمتوسطات العالمية والإقليمية يعكس نجاحاً ملموساً في الانتقال من الرقمنة الإجرائية إلى الرقمنة الهيكلية الداعمة لرؤية التحديث الاقتصادي.

وأضاف العكاليك: “نقف اليوم أمام استحقاق ما بعد النضج؛ فالحاجة إلى العمل لم تنتهِ، بل بدأت مرحلتها الأكثر تعقيدا، فالجهود يجب أن تتركز في المرحلة المقبلة على ثلاثة محاور سيادية: أولا، حوكمة البيانات المفتوحة والمشتركة؛ فلا قيمة للأنظمة الرقمية إذا بقيت البيانات حبيسة صوامع مؤسسية منعزلة، إذ يتطلب الأمر تفعيلا شاملا لمنصات تبادل البيانات لضمان تدفق المعلومات بين الوزارات لحظيا”.

وشدد العكاليك على أهمية دمج الذكاء الاصطناعي المسؤول للانتقال من حكومة “مستجيبة” تنتظر الطلب، إلى حكومة “استباقية” تتنبأ بالاحتياجات بناءً على تحليل البيانات الضخمة، وهو ما تسعى الحكومة لتحقيقه عبر إنشاء مركز للذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى ضرورة حوكمة الأمن السيبراني والخصوصية لحماية الثقة الرقمية.

وعن القطاعات التي يجب أن تقود التغيير، أشار العكاليك إلى قطاع الاستثمار من خلال الرحلة الرقمية الموحدة، وقطاع الرعاية الصحية عبر رقمنة السجلات الطبية بالذكاء الاصطناعي، وقطاع التعليم الرقمي كمصنع للمهارات المستقبلية. واختتم العكاليك قائلاً: “إننا اليوم في سباق مع الزمن؛ فالفجوة الرقمية العالمية تتقلص، والدول التي لن تستثمر في سيادة البيانات وذكاء الأنظمة ستجد نفسها خارج خارطة النفوذ الاقتصادي الجديد، فالأردن الآن في قلب المنافسة، والاستمرار في الابتكار المؤسسي هو الضمانة الوحيدة لترجمة هذه الأرقام إلى رفاه اقتصادي واجتماعي ملموس يلمسه كل مواطن ومستثمر على أرض المملكة”.

تعمق نوعي وتكامل بين المؤسسات

بدوره، أكد خبير التحول الرقمي وريادة الأعمال المهندس هاني البطش، أن التصنيف المتقدم يعكس “إستراتيجية تتجاوز مفهوم رقمنة الخدمات أو إطلاق المنصات الإلكترونية، كون هذا المؤشر يقيس قدرة الدولة على إدارة التحول الرقمي كنظام متكامل يشمل البنية التحتية الرقمية المشتركة، وجودة الخدمات الحكومية الإلكترونية، ومشاركة المواطنين رقميا، إضافة إلى الأطر المؤسسية والتنظيمية والمهارية الداعمة”.

وقال البطش: “وصول الأردن إلى المرتبة 21 عالميا والرابعة عربيا يعني أن المملكة انتقلت من مرحلة الرقمنة التشغيلية إلى مرحلة النضج الرقمي المؤسسي، وأصبحت قادرة على التوسع والاستدامة وتكامل الأنظمة على مستوى الدولة، وليس فقط على مستوى الجهات المنفردة”. وأضاف أن هذا الإنجاز يضع المملكة أمام مسؤولية أكبر تتطلب النظر للتحول الرقمي كمشروع سيادي متكامل.

ورغم هذا التقدم، نبه البطش قائلاً: “الأردن ما يزال بحاجة إلى مزيد من العمل، ولكن بطبيعة مختلفة؛ المرحلة الحالية ليست مرحلة التوسع الأفقي في عدد الخدمات الرقمية، بل مرحلة التعمق النوعي في كيفية استخدام التكنولوجيا في دعم القرار العام وصياغة السياسات”. ولفت إلى أن التجارب الدولية تحذر من التوقف عند حدود التحول الخدمي، مشدداً على ضرورة الانتقال إلى “الذكاء الاصطناعي الحكومي” والأتمتة الذكية، ورقمنة القرار الحكومي نفسه، وبناء منصات ذكاء اصطناعي سيادية داخل القطاع العام.

وحول التحديات المستقبلية، قال البطش: “التحدي الحقيقي لم يعد في تطوير بوابات إلكترونية جديدة، بل في تحقيق التكامل الكامل بين المؤسسات الحكومية، والمواطن ما زال يشعر أحيانا بوجود جزر رقمية منفصلة، وهو ما يتطلب ربط البيانات أفقيا بين الوزارات والهيئات، وتفعيل مبدأ ‘البيانات مرة واحدة’ بحيث لا يُطلب من المواطن أو المستثمر تقديم نفس المعلومات أكثر من مرة. هذا التكامل ‘end-to-end’ هو ما يميّز الحكومات الرقمية الناضجة عن غيرها”.

وأضاف: “مع التوسع في استخدام التقنيات المتقدمة، تبرز أهمية الحوكمة الرقمية كأولوية لا تقل أهمية عن التكنولوجيا نفسها، والمرحلة القادمة تتطلب أطرا واضحة لحوكمة الخوارزميات، وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وإدارة المخاطر الرقمية، خاصة في ضوء الدراسات العالمية الحديثة التي أظهرت أن الأنظمة الذكية قد تتصرف بشكل غير متوقع إذا مُنحت صلاحيات واسعة دون ضوابط ورقابة بشرية فعالة”.

وعلى صعيد القطاعات، دعا البطش لتركيز الجهود على الصحة الرقمية، والتعليم لتوجيه المهارات نحو المستقبل، بالإضافة إلى الخدمات البلدية والنقل. كما شدد على ضرورة إيلاء أولوية للقطاعات المحفزة للنمو الاقتصادي مثل الجمارك والضرائب وتراخيص الأعمال، حيث يسهم الذكاء الاصطناعي في تقليل التكاليف وتعزيز الشفافية وتحسين بيئة الأعمال.

Omar Al-Zoubi
Omar Al-Zoubi
عمر الزعبي صحفي ومحلل أخبار، يتمتع بخبرة تزيد عن عشر سنوات في العمل مع مؤسسات إعلامية بارزة داخل الأردن وخارجه. يقدم تحليلات معمقة وتقارير ميدانية وصحافة استقصائية تغطي الأخبار الأردنية والأحداث العالمية في مختلف المجالات، مما يعزز مكانة jodaily.com.
مقالات ذات صلة

الأكثر شهرة

احدث التعليقات