الخميس, يناير 15, 2026
الرئيسيةالعالماستشراف عام 2026: بين برودة المشاعر، تحدي الحقائق، وقلق المستقبل المهني

استشراف عام 2026: بين برودة المشاعر، تحدي الحقائق، وقلق المستقبل المهني

بينما نتطلع إلى ما قد يحمله عام 2026، تبرز أمامنا ملامح مشهد معقد: تراجع في الروابط الإنسانية والعاطفية أمام طغيان العزلة الرقمية، وصعود تيار إنكار الحقائق العلمية وانتشار التضليل رغم وضوح الكوارث المناخية، فضلاً عن تفاقم عدم الاستقرار الوظيفي وسط مخاوف متزايدة من هيمنة الذكاء الاصطناعي وشبح البطالة.

1. شتاء العواطف: هل نعيش “ركوداً” في المشاعر؟

نستهل جولتنا مع صحيفة The Independent، حيث تطرح الصحفية أوليفيا بيتر فرضية أن عام 2026 قد يشهد ما تطلق عليه “ركود العاطفة”، وذلك امتداداً لما وصفته بعام 2025 الذي تميز بـ “ركود العلاقات”.

تنطلق الكاتبة من ظاهرة باتت متفشية عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث يُفصح العديد من العزاب عن فقدانهم القدرة على الانجذاب للآخرين، أو غياب ذلك الشعور العفوي بـ “الإعجاب” الذي طالما كان الشرارة الأولى للاهتمام الرومانسي. وتستشهد بمقاطع فيديو راجت على Instagram، يعترف فيها أشخاص بأنهم نسوا آخر مرة شعروا فيها بانجذاب حقيقي، أو أنهم باتوا يجهلون ما يثير اهتمامهم في الشريك المحتمل.

وترى بيتر أن هذا الشعور ليس مجرد حالة فردية عابرة، بل هو انعكاس لتحولات جذرية في نمط الحياة المعاصر، وتحدد الأسباب في النقاط التالية:

  • غياب الصدفة: يتشكل الإعجاب عادةً عبر التواجد المتكرر في سياقات غير مخطط لها، وهو أمر ندر حدوثه في ظل هيمنة العمل عن بُعد.
  • التفاعل الرقمي: استبدال التواصل البشري المباشر بالشاشات قلل من فرص التواصل العفوي.
  • اختفاء اللقاءات العرضية: تلك اللحظات العابرة في المواصلات أو الأماكن العامة التي كانت تفتح باباً للتعارف، أصبحت شبه منقرضة.

وتعقد المؤلفة مقارنة بين “الإعجاب التقليدي” وتطبيقات المواعدة، مشيرة إلى أن التطبيقات تفتقر إلى عنصر المفاجأة، حيث يكون الانجذاب فيها اتفاقاً مسبقاً، مما يجرد التجربة من سحرها العفوي. وتربط هذا التحول بمناخ عام ساد السنوات الأخيرة، يتسم بـ:

  • “التشاؤم العاطفي”.
  • الإرهاق من تطبيقات التعارف.
  • تراجع الرغبة في العلاقات غير الواضحة.
  • انخفاض معدلات الزواج والمساكنة بين الشباب عالمياً.

ورغم قتامة التشخيص المستند إلى إحصاءات تظهر عزوف الشباب عن الانخراط الرومانسي، إلا أن المقال يلمح إلى بصيص أمل. فقد لاحظت الكاتبة، من خلال تنظيم فعاليات اجتماعية للعزاب بعيداً عن التطبيقات، عودة الرغبة في التفاعل المباشر. وتختتم بأن “انخفاض الإعجاب” قد يكون نتاج ظروف قابلة للتغيير، معربة عن أملها في أن يحمل عام 2026 عودة لذلك الشعور البسيط الذي يمنح العلاقات معناها.

2. عام إنكار العلم: عندما تحترق الحقائق

ننتقل إلى صحيفة The Guardian، ومقال للكاتب جورج مونبيوت، الذي يتخذ من محادثة جرت في يناير الماضي بين مقدم البودكاست جو روغان والممثل ميل جيبسون نموذجاً لما قد يبدو عليه عام 2025.

يرسم مونبيوت مفارقة صارخة: “بينما كان روغان وجيبسون يشككان في علم المناخ ويسخران من المنهج العلمي، كانت حرائق واسعة النطاق تجتاح كاليفورنيا، وتدمر منزل جيبسون نفسه”. هذه الحرائق، التي يؤكد العلم أنها باتت أكثر شدة بسبب التغير المناخي والجفاف، لم تدفع نحو مراجعة المعتقدات، بل يرى الكاتب أن الصدمات قد تؤدي عكسياً إلى مزيد من الإنكار والتعنت، خاصة إذا كانت الحقائق تهدد نظرة الشخص الشاملة للعالم.

ويفند المقال سلسلة من المغالطات التي طُرحت في تلك المقابلة، والتي تضمنت:

  • ادعاءات غير دقيقة حول أسباب ارتفاع منسوب البحار.
  • مزاعم بانخفاض درجات الحرارة العالمية.
  • معلومات مغلوطة حول الإنفاق الحكومي.

وينتقد مونبيوت بشدة الهجوم الذي شنه الثنائي على الرموز العلمية والطبية، مثل أنتوني فاوتشي، معتبراً أن هذا الخطاب يتجاوز النقد ليصل إلى مرحلة التحريض، مما يحول المعرفة العلمية إلى ساحة للصراع الأيديولوجي. كما يحذر الكاتب من خطورة الترويج لعلاجات غير مثبتة علمياً ومكملات غذائية كبدائل للطب القائم على الأدلة، واصفاً ذلك بأنه تضليل قد يسبب ضرراً حقيقياً.

ويربط المقال بين هذه الظواهر وما يسميه “نبرة الشفقة على الذات” لدى شخصيات مؤثرة تدعي تعرضها للقمع رغم امتلاكها منابر ضخمة. ويخلص مونبيوت إلى أن الانقسام الاجتماعي سيتعمق في عام 2025، حيث يستطيع الأثرياء الهروب من تداعيات الكوارث، بينما يتحمل الآخرون عبء الأزمات البيئية والاقتصادية وحدهم، وسط ضباب من المعلومات المضللة.

3. فخ “لا خيار آخر”: العمل في زمن الذكاء الاصطناعي

أخيراً، نذهب إلى صحيفة The New York Times مع الكاتبة جيني أودل، التي تستخدم فيلم المخرج الكوري الجنوبي بارك تشان-ووك، “لا خيار آخر”، كعدسة لتفكيك واقع سوق العمل المعاصر.

يدور الفيلم حول رجل يفقد وظيفته، فيلجأ تحت ضغط الحاجة إلى تصفية منافسيه للحصول على فرصة عمل. ترى الكاتبة أن هذه الحبكة، رغم سوداويتها، تعكس مناخاً اقتصادياً مألوفاً، حيث يتزامن طرح الفيلم مع ارتفاع معدلات البطالة في الولايات المتحدة وتراجع فرص العمل، بالتوازي مع تحقيق الشركات الكبرى أرباحاً طائلة وتسارع اعتمادها على الذكاء الاصطناعي كبديل للعمالة البشرية.

وتسلط أودل الضوء على عدة نقاط جوهرية تشكل قلق العمال اليوم:

  1. القلق من الأتمتة: مخاوف واسعة من فقدان الوظائف لصالح الذكاء الاصطناعي.
  2. اختلال موازين القوى: يخدم هذا القلق أصحاب العمل، حيث يعيد السيطرة إليهم بعد فترة من تحسن شروط العمال عقب الجائحة.
  3. انعدام الأمان الوظيفي: لم تعد الوظائف المستقرة بمنأى عن الهيكلة، مما يفرض على الموظف تغيير عمله عدة مرات في بيئة تنافسية قاسية.

وتشير الكاتبة إلى أن الخوف من الفصل تحول إلى أداة للتحكم في السلوك، مما يضعف قدرة الموظفين على الاعتراض الأخلاقي أو المهني. وتستحضر رمزية الفيلم لتظهر كيف يتم التعامل مع العمال كسلع قابلة للاستبدال، وتكشف الفجوة العميقة بين تطلعات الأفراد (المعنى والكرامة) وأولويات الشركات (الكفاءة والربح).

في ختام رؤيتها، تحذر أودل من أن انعدام الأمان الوظيفي يقوض التضامن الإنساني، دافعاً الناس لرؤية بعضهم كعقبات. وتجادل بأن قبول منطق “لا خيار آخر” ليس حتمياً، مؤكدة أن البديل يكمن في استعادة القدرة على الرفض والتنظيم الجماعي، وأن تعريف معنى العمل وأهدافه لا يجب أن يترك للشركات وحدها.

Omar Al-Zoubi
Omar Al-Zoubi
عمر الزعبي صحفي ومحلل أخبار، يتمتع بخبرة تزيد عن عشر سنوات في العمل مع مؤسسات إعلامية بارزة داخل الأردن وخارجه. يقدم تحليلات معمقة وتقارير ميدانية وصحافة استقصائية تغطي الأخبار الأردنية والأحداث العالمية في مختلف المجالات، مما يعزز مكانة jodaily.com.
مقالات ذات صلة

الأكثر شهرة

احدث التعليقات