أحدثت الثورة التكنولوجية وانتشار خدمات الإنترنت تحولاً جذرياً في سلوك المستهلك الأردني، حيث بات التسوق الإلكتروني خياراً مفضلاً لشريحة واسعة، مدفوعاً بالظروف الاقتصادية الراهنة والرغبة في الحصول على أفضل الأسعار. ورغم هذا الصعود الرقمي، لا تزال الأسواق التقليدية تحافظ على بريقها وجاذبيتها لدى الكثيرين. ويقف المواطن اليوم أمام تساؤل جوهري: هل الانتقال إلى الشراء عبر الإنترنت هو الحل الفعلي لتوفير المال، أم أن المفاضلة بين الأسلوبين تخضع لمعايير أخرى؟
مشهد التجارة الإلكترونية في المملكة
شهدت السنوات الأخيرة نمواً متسارعاً في قطاع التسوق عبر الإنترنت في الأردن، وهو نمو لم يأتِ من فراغ، بل كان نتاجاً لعدة عوامل مجتمعة. فقد أسهم الانتشار الواسع للهواتف الذكية وتطور حلول الدفع الإلكتروني الآمنة في تسهيل هذه العملية، إلى جانب ظهور العديد من المنصات والمتاجر الرقمية التي تتنافس فيما بينها عبر تقديم عروض وخصومات مستمرة. هذه العوامل مجتمعة جعلت المستهلك قادراً على تلبية احتياجاته من ملابس وأجهزة وحتى مواد تموينية وخدماتية بكل سهولة ويسر.
رسوخ التسوق التقليدي
على الجانب الآخر، ما زال التسوق التقليدي يحتفظ بمكانة راسخة في الثقافة الاستهلاكية الأردنية. فزيارة الأسواق الشعبية، والتجول في المولات، أو حتى الشراء من محلات البقالة القريبة، لا تزال طقوساً مفضلة للعديد من الأسر. ويرجع هذا التمسك إلى ميزات لا يوفرها العالم الرقمي، أبرزها القدرة على معاينة السلعة وفحص جودتها باليد قبل الشراء، بالإضافة إلى انعدام تكاليف الشحن والتوصيل، فضلاً عن إمكانية “المفاصلة” والتفاوض على السعر مع البائع وجهاً لوجه في بعض المحلات.
ميزان الأسعار: مقارنة قطاعية
عند محاولة تحديد أيهما أوفر، نجد أن الإجابة ليست مطلقة، بل تعتمد بشكل كبير على نوع السلعة المراد شراؤها:
الإلكترونيات والأجهزة الكهربائية: غالباً ما تتفوق المتاجر الإلكترونية في هذا المجال من حيث السعر، سواء للهواتف أو الأجهزة المنزلية وإكسسواراتها. ويعود ذلك إلى اشتداد المنافسة بين المنصات، وكثرة العروض الموسمية، وغياب التكاليف التشغيلية العالية المرتبطة بإيجار صالات العرض والديكورات في المتاجر الفعلية.
الأزياء والملابس: هنا تصبح المعادلة أكثر تعقيداً. فبينما يوفر “الأونلاين” خيارات لا حصر لها وخصومات مغرية، قد يصطدم المستهلك بتكاليف الشحن الإضافية أو مشكلة عدم تطابق المقاسات، مما قد يجعل الشراء من المحل التقليدي خياراً أكثر أماناً وتوفيراً في بعض الأحيان لتجنب تكاليف الإرجاع والاستبدال.
المواد التموينية: في هذا الجانب، لا يزال التسوق التقليدي هو الأوفر للغالبية، خصوصاً عند الشراء من الأسواق الشعبية أو استغلال العروض المحلية المباشرة، في حين أن طلب هذه المواد عبر التطبيقات قد يرفع التكلفة النهائية بسبب رسوم التوصيل المتكررة.
بين الراحة والتحديات
يوفر التسوق الإلكتروني مزايا عديدة لا يمكن إنكارها، فهو يوفر الوقت والجهد، ويتيح للمشتري مقارنة الأسعار بين عشرات المتاجر في دقائق معدودة، والوصول إلى منتجات عالمية غير متوفرة محلياً، مع الاستفادة من الكوبونات الرقمية. ولهذه الأسباب، يميل جيل الشباب والموظفون لهذا النمط نظراً لمرونته وإمكانية التسوق في أي وقت.
لكن في المقابل، يواجه المتسوق الرقمي تحديات قد تكون مكلفة، مثل تأخر وصول الطلبات، ورسوم الشحن التي قد تلتهم قيمة الخصم، وصعوبة إجراءات الاسترجاع في بعض الأحيان، والأهم من ذلك غياب تجربة المنتج الحسية قبل الدفع.
القرار الشرائي الذكي
لتحقيق أقصى استفادة مالية، يُنصح باللجوء إلى التسوق الإلكتروني عند الرغبة في شراء سلع باهظة الثمن، أو كميات كبيرة (الجملة)، أو عند توفر عروض “شحن مجاني” وتخفيضات موسمية حقيقية.
بينما يكون التسوق التقليدي هو الخيار الأمثل والأوفر في حالات الحاجة الفورية للسلعة، أو عندما تكون رسوم الشحن مرتفعة مقارنة بسعر المنتج، أو عند الرغبة في التفاوض على السعر، وكذلك عند شراء المستلزمات اليومية البسيطة.
وفي الختام، سواء اخترت الشاشة أو واجهة المحل، تبقى القاعدة الذهبية للتوفير هي: قارن الأسعار بدقة، احسب التكلفة النهائية شاملة التوصيل، ولا تنجرف وراء الرغبات اللحظية بل اشترِ حسب الحاجة الفعلية.
