لم يكن البيان الصادر عقب مباحثات جلالة الملك عبدالله الثاني والرئيس التركي رجب طيب أردوغان في إسطنبول مجرد وثيقة دبلوماسية بروتوكولية، بل جاء كأداة سياسية استراتيجية محكمة تعكس قراءة الأردن الدقيقة للمشهد الإقليمي. ويهدف البيان إلى تثبيت دور المملكة كفاعل رئيسي قادر على حماية مصالحه الوطنية ودعم الاستقرار في المنطقة، من خلال شراكة حقيقية مع لاعب إقليمي بوزن تركيا.
أولاً: القدس وفلسطين.. رفع سقف الردع السياسي
أكد البيان على مواقف حاسمة تجاه القضايا المركزية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية:
- حماية الوضع القائم: جاء التحرك الأردني استباقياً رداً على تصاعد الانتهاكات الإسرائيلية الممنهجة في القدس، والتي تركزت بنسبة 80% في محيط المسجد الأقصى، مما يهدد بإشعال صراع ديني.
- الوصاية الهاشمية: تم التأكيد على أن الوصاية الهاشمية ليست وصفاً معنوياً بل إطار قانوني وسياسي دولي، وأن أي مساس بها سيخلق فراغاً خطيراً يؤدي للفوضى.
- الأمن الوطني: يتعامل الأردن مع ملف القدس كامتداد مباشر لأمنه الداخلي، حيث يهدف التنسيق مع تركيا لرفع سقف الردع السياسي ومنع الانزلاق لخيارات أصعب.
ثانياً: الملف السوري.. الانتقال من الاحتواء إلى التأثير
شكل الملف السوري ركيزة أساسية في المباحثات، نظراً للتحديات الأمنية المشتركة:
- أمن الحدود: في ظل حدود تمتد لأكثر من 370 كم، ومواجهة حرب المخدرات والمليشيات، يسعى الأردن لملء الفراغ الأمني في الجنوب السوري عبر التنسيق مع تركيا التي تمتلك أدوات ضغط ميدانية.
- وحدة سوريا: توافق الطرفان على رؤية “سوريا موحدة في محيط عربي”، مما شجع على تعميق الشراكة والانتقال من التنسيق المحدود إلى التأثير المباشر في مسار الحل السياسي.
ثالثاً: الاقتصاد والأمن.. مسارات متلازمة
أظهر البيان إدراكاً عميقاً للترابط بين الأمن والاقتصاد:
- تنويع الخيارات: يمثل الانفتاح على تركيا متنفساً للاقتصاد الأردني عبر فتح مسارات تجارية جديدة وربط المملكة بسلاسل إمداد دولية.
- الطريق التجاري: يُعد انسياب الحركة التجارية عبر طريق “M5” من الأردن إلى سوريا ومنها لتركيا وأوروبا مصلحة استراتيجية لإنعاش الاقتصاد الأردني.
رابعاً: سياسة التوازن والشراكات الذكية
وفقاً لخبراء في الشأن السياسي، يعكس البيان نهج الأردن كـ “دولة توازن” في إقليم مضطرب:
- شراكات انتقائية: لا يدخل الأردن في محاور صدامية، بل يبني شراكات مع قوى فاعلة كتركيا لتعزيز موقفه التفاوضي.
- الدور المحوري: أثبتت الزيارة أن الأردن، بفضل دبلوماسيته المعتدلة، يظل نقطة ارتكاز لا يمكن تجاوزها في أي ترتيبات إقليمية تتعلق بسوريا أو فلسطين.
