شهدت منطقة وسط العاصمة الأردنية عمّان، تزامناً مع إحياء ذكرى النكبة، تظاهرة وطنية حاشدة جسدت بوضوح الموقف الأردني الراسخ تجاه القضية الفلسطينية. وعبر المشاركون عن اصطفافهم المطلق خلف القيادة الهاشمية، مؤيدين تحركاتها الدبلوماسية والإنسانية والسياسية الداعمة لقطاع غزة والقدس وعموم الأراضي الفلسطينية.
انطلقت الحشود من محيط المسجد الحسيني العريق، حيث اجتمع آلاف المواطنين القادمين من مختلف المحافظات والمخيمات، إلى جانب ممثلي القوى النقابية والشبابية والشعبية. ورفرفت الأعلام الأردنية جنباً إلى جنب مع الأعلام الفلسطينية، لتوجيه رسالة قاطعة مفادها أن التضامن مع الحق الفلسطيني متجذر في صلب الهوية الأردنية وليس مجرد تعاطف عابر.
وتزامنت هذه الفعالية مع استذكار محطة قاسية في التاريخ العربي والفلسطيني، المتمثلة في النكبة وما رافقها من تهجير وسلب للأراضي. ومع ذلك، لم يقتصر المشهد على استعادة مآسي الماضي، بل مثل صرخة لتأكيد استمرارية الحقوق ورفض أي مساعٍ تهدف إلى تصفية القضية أو تهميشها على الصعيدين السياسي والإنساني.
ويمكن تلخيص أبرز الهتافات والمطالب التي رفعها المشاركون في المسيرة في النقاط التالية:
- دعم صمود الشعب الفلسطيني على أرضه ورفض كافة أشكال التهجير القسري.
- التمسك المطلق بحق الفلسطينيين في نيل حريتهم وتأسيس دولتهم المستقلة على ترابهم الوطني.
- تأييد الجهود الاستثنائية التي يبذلها جلالة الملك عبدالله الثاني لوضع ملف فلسطين على رأس الأجندة الدولية والإقليمية.
وأوضح المتظاهرون أن الدولة الأردنية، بتوجيهات قيادتها، تنظر إلى القضية الفلسطينية باعتبارها مسألة عدالة وأمن قومي واستقرار إقليمي، وليست مجرد ملف سياسي اعتيادي. مشيدين بخطابات جلالة الملك المتكررة في المنابر الدولية، والتي تطالب بوقف العدوان وحماية الأبرياء، معتبرين إياها انعكاساً حقيقياً لضمير الشارع والدولة في الأردن.
كما احتلت الوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس حيزاً كبيراً من رسائل المسيرة، حيث تم التأكيد على المعطيات التالية:
- الوصاية تعد التزاماً دينياً، وتاريخياً، وقانونياً تحمله القيادة الهاشمية لحماية هوية القدس والوضع القائم فيها.
- الدور الأردني يمثل الجدار الاستنادي الأول لحماية المسجد الأقصى والمقدسات المسيحية والإسلامية.
- الرفض القاطع لكافة المحاولات الرامية إلى تهويد المدينة المقدسة أو فرض التقسيم الزماني والمكاني فيها.
وتجاوزت المسيرة الجانب العاطفي لتوجه رسائل سياسية حازمة، تؤكد وقوف الأردن في الخطوط الأمامية للمطالبة بحل جذري وعادل يُنهي الاحتلال ويمنح الفلسطينيين حقوقهم المشروعة. وأبدى المشاركون دعمهم التام للموقف الرسمي الرافض لأي تسويات تُفرض على حساب الأردن أو فلسطين، وفي مقدمتها المخططات الساعية لفرض الوطن البديل أو إلغاء حق العودة. وتتماشى هذه الرؤية مع الثوابت الوطنية التي تربط بشكل وثيق بين استقرار الأردن وإحقاق العدالة في فلسطين، رافضين أي سلام يُبنى على سلب الحقوق.
وفي ساحات وسط البلد، التي تحمل إرثاً كبيراً في احتضان التعبيرات الوطنية، تجلت العلاقة العميقة بين الشعبين الأردني والفلسطيني. وقد أضفى تنوع المشاركين من عائلات، وكبار سن، وشباب، وقادة نقابيين، طابعاً شمولياً يؤكد أن القضية توحد كافة أطياف المجتمع الأردني ولا تقتصر على تيار بعينه.
وأكد المتحدثون خلال الفعالية أن مساندة القيادة تنبع من وعي عميق بحجم التحديات والضغوطات التي يتعرض لها الأردن نتيجة تمسكه بمبادئه. وثمّنوا وضوح الرؤية الملكية في ظل التخبط الدولي والإقليمي، والتي ترتكز بشكل أساسي على:
- المطالبة المستمرة بإنهاء العدوان العسكري وإدخال المساعدات الإغاثية.
- الرفض القاطع لسياسات العقاب الجماعي الممارسة ضد المدنيين.
- التأكيد على أن “حل الدولتين” هو المخرج السياسي الأوحد لتحقيق السلام والاستقرار.
في سياق متصل، نددت الحشود بازدواجية المعايير التي يمارسها المجتمع الدولي تجاه المأساة الفلسطينية، مطالبين إياه بتجاوز مرحلة الإدانات اللفظية والانتقال إلى تحمل مسؤولياته القانونية لمنع الانتهاكات المستمرة. واعتبر الحضور أن الأردن يمارس دوراً حيوياً في إبقاء القضية حية على الطاولة العالمية، سياسياً ودبلوماسياً وإنسانياً.
وشكل مشهد تعانق العلمين الأردني والفلسطيني دليلاً ساطعاً على وحدة المصير، مؤكدين أن الوقوف مع فلسطين يتقاطع تماماً مع الانتماء الوطني الأردني ويمثله، فالأردن يساند فلسطين من موقع القوة والثبات. واعتبر المشاركون أن الالتفاف حول القيادة الهاشمية هو درع حماية لسيادة الأردن وقدرته على التأثير في الملفات الإقليمية الشائكة.
تكتسب هذه المسيرة أهمية مضاعفة نظراً لتصاعد الأزمات المحيطة بالقضية، مما يجعل “النكبة” واقعاً مريراً مستمراً يتطلب وقفة حازمة لا مجرد استذكار تاريخي. وقد أوصلت الحشود في عمّان رسالة مزدوجة؛ أولاها التضامن المطلق مع معاناة الفلسطينيين، وثانيتها إسناد الدولة الأردنية في معاركها الدبلوماسية للحفاظ على الثوابت.
في الختام، تجلى التناغم التام بين نبض الشارع والموقف الرسمي. وأكدت الهتافات الصادحة في قلب العاصمة على ثوابت لا تحيد: القضية الفلسطينية هي أولوية الأردن القصوى، والقدس ستبقى أمانة في عنق الهاشميين، والموقف الأردني بقيادة الملك عبدالله الثاني يمثل صخرة صلبة لا تتراجع أمام الضغوطات ولا تتغير بتبدل المعطيات.
