الرئيسيةالعالمالتوترات تتصاعد: حصار أمريكي لمضيق هرمز يقابله وعيد إيراني بتعطيل الملاحة

التوترات تتصاعد: حصار أمريكي لمضيق هرمز يقابله وعيد إيراني بتعطيل الملاحة

مع مضي أربعة أيام على بدء الحصار البحري الذي تفرضه الولايات المتحدة على الموانئ الإيرانية، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية عن تشديد تدابيرها الصارمة في المنطقة. في المقابل، تُلوّح طهران بخيارات تصعيدية تشمل إعاقة حركة الملاحة في مياه البحر الأحمر. ورغم أن بعض السفن التجارية لا تزال تواصل مسيرها، وتمكن عدد محدود من ناقلات النفط من المرور عبر المضيق، إلا أن الضبابية تسيطر على المشهد العام في ظل وجود مئات الناقلات المحتجزة والعالقة في مياه الخليج.

حركة الملاحة وسط طوق الحصار

وفقاً لتقرير أعدته مراسلة شبكة الجزيرة، أسماء محمد، شهد المضيق عبور أكثر من 20 سفينة تجارية خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، وذلك منذ بدء سريان الحصار الذي أقره الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وفي الوقت ذاته، لا تزال هناك أكثر من 800 سفينة محتجزة في المنطقة بانتظار العبور. وفي إحصائيات متطابقة، أشارت وكالة بلومبيرغ إلى وجود 426 ناقلة محملة بالنفط الخام، بالإضافة إلى 19 ناقلة مخصصة للغاز الطبيعي المسال عالقة في المنطقة. من جهة أخرى، أوضحت بيانات شركة “كيبلر” المعنية بتتبع الملاحة البحرية، أن ما يتراوح بين 3 إلى 4 ناقلات ذات صلة بإيران نجحت في اجتياز المضيق، ومن أبرز السفن التي تم رصد تحركاتها:

  • سفينة كريستيانا: ترفع العلم الليبيري، وقد عبرت باتجاه ميناء الإمام الخميني لتفريغ شحنة من الذرة بعد مرورها بجزيرة لارك.
  • سفينة إليبس: ترفع علم جزر القمر، وهي تخضع للعقوبات الأمريكية لصلتها بطهران. شوهدت بالقرب من جزيرة لاراك محملة بنحو 31 ألف طن من مادة الميثانول، وكانت قد انطلقت من ميناء بوشهر في أواخر مارس/آذار الماضي.
  • الناقلة الصينية (ريتش ستاري): عبرت ليل الخميس متخذة مساراً مقبولاً من الجانب الإيراني جنوب جزيرة لارك. ورغم شمولها بالعقوبات لتعاونها مع طهران، فقد واصلت طريقها بحمولة تبلغ 31 ألف طن من الميثانول قاصدة ميناء صحار العماني.
  • الناقلة مورليكيشان: ترفع علم مدغشقر وتطالها العقوبات أيضاً. سلكت المضيق عبر جزيرة لاراك بالاتجاه المعاكس نحو ميناء خور الزبير العراقي، على الرغم من أن أغلب رحلاتها السابقة كانت تستهدف الموانئ الإيرانية.

إلى جانب ذلك، أظهرت البيانات مرور سفن أخرى ترفع علم إيران، من ضمنها ناقلات حاويات قادمة من وجهات متعددة كالصين والهند وليبيا، وسفينة أخرى تتجه نحو ميناء الشارقة، مما يدل على استمرار التدفقات التجارية بشكل نسبي. كما نقلت وكالة “فارس” الإيرانية للأنباء نجاح ناقلة نفط إيرانية ضخمة وخاضعة للعقوبات في عبور المضيق يوم الأربعاء متجهة صوب ميناء الإمام الخميني.

“أسطول الظل” وتكتيكات التمويه الإيرانية

في خلفية هذه التحركات، يبرز دور ما يُعرف بـ “أسطول الظل” الإيراني كعامل محوري في استراتيجية التحايل على العقوبات. يتكون هذا الأسطول من مئات الناقلات القديمة التي تعتمد آليات تخفٍ معقدة، مما يعكس سرعة تأقلم طهران مع قواعد الاشتباك الجديدة وتفاديها لآليات المراقبة الأمريكية. تتضمن هذه التدابير تعطيل أجهزة التتبع الملاحي، تغيير الأعلام والأوراق الرسمية، بالإضافة إلى تنفيذ عمليات نقل الشحنات من سفينة إلى أخرى في عرض البحر لعدة مرات، بهدف طمس هوية النفط وإخفاء مصدره ووجهته النهائية.

قواعد الاشتباك ومراحل الحصار الأمريكي

لم تقتصر المشاهد على نجاح بعض السفن في العبور؛ فقد أدت التحذيرات الصادرة عن القوات الأمريكية إلى تراجع 6 ناقلات وتغيير مسارها، بينما لم ترد تأكيدات حول مصير ناقلتين أخريين، مما يؤشر على تفعيل تدريجي لقواعد الاشتباك البحري. ويثار التساؤل حالياً حول آلية التعامل مع السفن التي قد تتعرض للاحتجاز في ظل حصار يُطبق عن بُعد، حيث تتمركز القطع البحرية الأمريكية بعيداً عن السواحل الإيرانية. وتتلخص هذه الآلية العسكرية في الخطوات التالية:

  • المرحلة الأولى: تعتمد على المراقبة البحرية والجوية المكثفة باستخدام طائرات “بي 8 بوسايدون”، الطائرات المسيرة، الأقمار الصناعية، وحاملات الطائرات. تتيح هذه الوسائل رصداً وتتبعاً عن بُعد لتوجيه تحذيرات مبكرة للسفن المخالفة.
  • المرحلة الثانية: في حال عدم امتثال السفن للتحذيرات، تتدخل القوات الأمريكية عبر الزوارق أو الطائرات للاقتراب منها وإجبارها على التوقف. وعند الشك في طبيعة الحمولة، يتم إنزال فرق تفتيش للتأكد من هويتها.
  • المرحلة القصوى: تشمل اتخاذ قرار باحتجاز السفينة أو مصادرة الشحنة، وهي عمليات بالغة التعقيد من الناحية اللوجستية نظراً لتباعد مسارح العمليات وصعوبة سحب الناقلات نحو موانئ آمنة.

الأهمية الإستراتيجية والتعقيدات القانونية

شكلت إدارة مضيق هرمز نقطة خلافية جوهرية في المباحثات التي ترعاها باكستان بهدف إيقاف الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، والتي أثرت سلباً على سلاسل الإمداد وعقدت مسارات الملاحة العالمية. ويكتسب هذا المضيق خصوصيته الإستراتيجية من كونه ممراً حيوياً يعبر من خلاله خُمس الاستهلاك العالمي اليومي من النفط. وقبل اندلاع الحرب الأخيرة، كانت الملاحة تتم بسلاسة وفقاً “لاتفاقيات الملاحة السلمية” ومسارات المنظمة البحرية الدولية، دون فرض قيود أو رسوم، حيث أشرفت إيران وسلطنة عمان على تنظيم العبور كلٌ في مياهه الإقليمية.

ويوضح تقرير أعده الصحفي أحمد فال ولد الدين أن القانون الدولي يحكم إدارة المضيق عبر اتفاقيتين متضاربتين؛ الأولى هي اتفاقية جنيف لعام 1958 التي تقر “حق المرور البريء” شريطة ألا يشكل العبور تهديداً أمنياً للدولة الساحلية، وتُلزم الغواصات بالظهور فوق سطح الماء. أما الثانية، فهي اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، والتي تعتبر العبور حقاً أساسياً “لا يجوز إيقافه”، وتسمح للغواصات بالمرور وهي مغمورة. ويزيد الأمر تعقيداً أن كلاً من واشنطن وطهران لم تصادقا على اتفاقية 1982؛ فإيران تتمسك باتفاقية 1958 التي تمنحها حق تقييم المرور بـ “غير البريء” إذا استشعرت خطراً، بينما تصر الولايات المتحدة على أن حق العبور بات جزءاً من القانون الدولي العرفي.

المقترحات المطروحة لإنهاء أزمة المضيق

تتأرجح الحلول المقترحة حالياً بين فرض السيادة الإجرائية والتدويل الأمني، وتبرز على الطاولة ثلاثة مقترحات رئيسية:

  1. المقترح الإيراني: يشدد على أحقية الدول المطلة على المضيق في تأمين الملاحة دون تدخل خارجي، ويتضمن تلميحات بإمكانية فرض رسوم عبور ومنع سفن الدول التي توصف بـ “المعادية” من استخدامه.
  2. المقترح الأمريكي: يقوم على توفير المرافقة العسكرية للسفن التجارية، مع توسيع نطاق المراقبة الاستخبارية وتكثيف الضغط العسكري والدبلوماسي على إيران، لضمان استمرار فتح الممر.
  3. المقترح الأوروبي: تقوده بريطانيا وفرنسا، ويدعو إلى إرسال بعثة بحرية متعددة الجنسيات ذات طابع سلمي بحت لإعادة ضمان حرية الملاحة، مع التأكيد على أن أهدافها تقتصر على الجانب الدفاعي.

وفي ظل هذه التطورات، تتصاعد المخاوف من أن تشكل الخطوة الإيرانية—إن طُبقت—بداية فعلية لشرعنة فرض رسوم على الممرات المائية الدولية، والتي اعتمدت لعقود طويلة على التفاهمات الحرة التي تضمن انسيابية حركة البضائع والتنقل.

Omar Al-Zoubi
Omar Al-Zoubi
عمر الزعبي صحفي ومحلل أخبار، يتمتع بخبرة تزيد عن عشر سنوات في العمل مع مؤسسات إعلامية بارزة داخل الأردن وخارجه. يقدم تحليلات معمقة وتقارير ميدانية وصحافة استقصائية تغطي الأخبار الأردنية والأحداث العالمية في مختلف المجالات، مما يعزز مكانة jodaily.com.
مقالات ذات صلة

الأكثر شهرة

احدث التعليقات