شدد متخصصون في الشأن التقني على ضرورة الحفاظ على المنجزات الرقمية التي حصدها الأردن مؤخراً، وتحديداً في حقل الذكاء الاصطناعي. ويتطلب هذا المسار تبني مجموعة من الخطوات الإستراتيجية، يأتي على رأسها تحديث الخطط الوطنية المتعلقة بهذا القطاع الحيوي.
وأوضح المتخصصون أهمية بناء قاعدة بيانات وطنية موثوقة وعالية الجودة، بالتزامن مع تسريع وتيرة إقرار القوانين والتشريعات التي تضمن استخداماً مسؤولاً لهذه التقنيات. كما دعوا إلى ضرورة تنمية مهارات الكوادر البشرية والطلاب، ودعم الشركات الناشئة، وتقريب المسافات بين المخرجات الأكاديمية واحتياجات سوق العمل الصناعي.
تتزامن هذه الدعوات مع إنجاز لافت حققه الأردن، حيث حل في المركز 49 على المستوى العالمي، والمركز الثاني على مستوى المنطقة، ضمن مؤشر الذكاء الاصطناعي المسؤول لعام 2026، والذي يصدر عن المركز العالمي لحوكمة الذكاء الاصطناعي، وهو جهة تعنى بوضع معايير منصفة وشاملة لإدارة هذه التقنيات المتقدمة وفقاً لأسس الشفافية وحقوق الإنسان.
رؤية الخبراء: الانتقال من الاستهلاك إلى الإنتاج الفعلي
يعتقد المهندس هاني البطش، الخبير في التحول الرقمي، أن الأردن يمتلك البنية التحتية والموارد البشرية التي تؤهله لمزيد من التقدم. إلا أنه يرى ضرورة تحويل بوصلة العمل من مجرد رسم السياسات إلى الإنتاج الفعلي، فمعيار التنافس المستقبلي سيقاس بحجم الاستثمارات، وبراءات الاختراع، وعدد الشركات العالمية.
وأضاف البطش: “إذا ابتعدنا عن المؤشرات، فإننا نستطيع القول إن الأردن ما يزال في مرحلة تبني الذكاء الاصطناعي أكثر من مرحلة إنتاجه، هناك اهتمام متزايد من الحكومة والجامعات والقطاع الخاص، ونشهد توسعا في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، إلا أن الاستخدام ما يزال يتركز في تحسين الإنتاجية الفردية أكثر من تطوير حلول وطنية أو منتجات قابلة للتصدير”.
ولفت البطش إلى أن العديد من الجهات لا تزال تنظر للذكاء الاصطناعي كتقنية معزولة، وليس كأداة جوهرية لإعادة هندسة العمليات واتخاذ القرارات المبنية على البيانات. وأكد أن الاستخدام المسؤول في القطاعين العام والخاص يضمن تسريع الخدمات وتقليل التكاليف بشرط توفر حوكمة رشيدة وأمن سيبراني متين.
وقال البطش: “المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من استهلاك الذكاء الاصطناعي إلى إنتاجه، ومن استخدام التطبيقات الجاهزة إلى تطوير حلول أردنية تستهدف الأسواق المحلية والإقليمية”.
وقدم البطش توصيات تتمثل في بناء مراكز بيانات متخصصة، وتوفير قدرات حوسبة عالية الأداء، وتحفيز صناديق التمويل لدعم الشركات الناشئة، فضلاً عن تطوير المناهج الأكاديمية لإعداد جيل من علماء البيانات ومهندسي الذكاء الاصطناعي.
تحليل التصنيف العالمي وسد الفجوات التشريعية
من جهة أخرى، قدم خبير التقنية والاتصالات، وصفي الصفدي، قراءة تحليلية لنتائج المؤشر الأخير.
يرى الخبير في مجال التقنية والاتصالات وصفي الصفدي أن “التقرير العالمي يعكس أن الأردن يمتلك موقعا تنافسيا واعدا في مجال الذكاء الاصطناعي المسؤول، إذ جاء في المرتبة 49 عالميا والثانية إقليميا من بين 135 دولة ومنطقة، متجاوزا متوسط منطقة الشرق الأوسط بفارق واضح. وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة لأنها لا تقيس القدرة التقنية وحدها، وإنما تنظر إلى مدى توافر الحوكمة والضمانات الرقابية وحماية الحقوق، ومن ثم، فإن تقدم الأردن إلى موقع متقدم نسبيا يشير إلى وجود قاعدة مؤسسية وسياساتية يمكن البناء عليها، خصوصا في ظل اتساق توجهات المؤشر مع الإستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي والخطة التنفيذية 2023–2027”.
وبين الصفدي أن قوة الأردن تكمن في محور العمل والمهارات (المرتبة 20 عالمياً)، ما يعكس نجاح الاستثمار في الكفاءات. ومع ذلك، حذر من فجوة واضحة في الجانب التشريعي والبيئة التمكينية (المرتبة 75)، مشيراً إلى نقص الأطر الملزمة لحماية الفئات المستضعفة مثل الأطفال، وضعف تقييم الأثر البيئي للخوارزميات.
وقال: “الثقة في الذكاء الاصطناعي لا تبنى بالأمن السيبراني وحده، وإنما تحتاج إلى شفافية، ومساءلة، وحقوق واضحة، وآليات انتصاف فعالة، كما أن اقتصار الإطار التنظيمي الملزم لعام 2025 على القطاع المصرفي، رغم أهميته، يؤكد الحاجة إلى الانتقال من التنظيم القطاعي المحدود إلى إطار وطني أكثر شمولا”.
مأسسة الذكاء الاصطناعي وبناء منظومات الثقة الرقمية
في السياق ذاته، أشار الدكتور حمزة العكاليك، المتخصص في حوكمة البيانات والذكاء الاصطناعي، إلى أن الإنجاز في المؤشر يعكس تراكماً للجهود المؤسسية ومبادرات التحول الرقمي خلال السنوات الماضية. وشدد على ضرورة قراءة هذه النتائج بأبعاد إستراتيجية لتحويلها إلى تشريعات واستثمارات مستدامة.
وأوضح أن توظيف التقنية في القطاع الحكومي يجب أن يتجاوز رقمنة المعاملات ليصل إلى التحليلات التنبؤية لدعم القرار، في حين يمتلك القطاع الخاص فرصة ذهبية لتعزيز إنتاجيته وإدارة مخاطره إذا ما قام بدمج التقنية في سلاسل التوريد والعمليات التشغيلية بعيداً عن الاستخدام السطحي.
وقال العكاليك: “لا يقل دور الأفراد أهمية عن دور الحكومات والشركات، فالاستخدام المسؤول يبدأ من المستخدم نفسه، إذ يجب التعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي باعتبارها مساعدا ذكيا لا بديلا عن التفكير النقدي، مع ضرورة التحقق من المعلومات وعدم مشاركة البيانات الحساسة واحترام حقوق الملكية الفكرية والإفصاح عند استخدام المحتوى المولّد آليا في الحالات التي تستدعي ذلك. فالمجتمعات التي تمتلك ثقافة رقمية عالية ستكون أكثر قدرة على الاستفادة من الذكاء الاصطناعي وأقل عرضة للتضليل والاحتيال والانتهاكات المرتبطة به”.
وأضاف العكاليك: “من المهم أيضا أن يدرك صناع القرار أن المنافسة العالمية لم تعد تدور فقط حول تطوير نماذج ذكاء اصطناعي أكبر، بل حول بناء منظومات وطنية للثقة الرقمية. فالعالم يتجه اليوم نحو تنظيم الذكاء الاصطناعي ووضع أطر للحوكمة وتقييم المخاطر وحماية الحقوق الأساسية ومساءلة الأنظمة الذكية، وهذا يعني أن الاستثمار في التشريعات والمعايير والتدقيق الخوارزمي وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي سيصبح عاملا حاسما في جذب الاستثمارات والشركات العالمية، تماما كما أصبح الأمن السيبراني معيارا أساسيا للاقتصاد الرقمي”.
واختتم العكاليك بالتأكيد على أن ديمومة هذا التطور تتطلب الإسراع في تحديث الإستراتيجيات الوطنية، وتشجيع ابتكار تطبيقات محلية باللغة العربية تخدم قطاعات حيوية كالتعليم، والصحة، والمالية.
