تتجه موازنة العام 2027 إلى تعزيز مسار النمو الاقتصادي وتحسين المستوى المعيشي، عبر إجراءات تجمع بين زيادة دخول المواطنين وتوسيع الإنفاق الرأسمالي وتسريع تنفيذ المشاريع الإستراتيجية وتعزيز برامج الحماية الاجتماعية، ضمن توجه حكومي يستهدف نموا اقتصاديا بنسبة 3.1% خلال العام المقبل.
وتضمن البلاغ الرسمي رقم (17) لسنة 2026، الذي أصدرته الحكومة لإعداد مشروع قانون الموازنة العامة ومشروع نظام تشكيلات الوزارات والدوائر والوحدات الحكومية للسنة المالية 2027، فرضيات تستهدف نموا اقتصاديا بنسبة 3.1%، ونمو الصادرات بنسبة 9.2%، والمحافظة على معدل تضخم عند 2.3%.
ومن أبرز الإجراءات الواردة في البلاغ إقرار زيادة شهرية إضافية بقيمة 30 دينارا للموظفين في القطاع العام والعاملين في القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والمتقاعدين المدنيين والعسكريين الذين تقل رواتبهم الإجمالية عن 600 دينار، إلى جانب الزيادات السنوية المعتادة على الرواتب ومخصصات التقاعد.
كما تضمنت التوجهات تعزيز الإنفاق الرأسمالي وبرامج الحماية الاجتماعية، ومواصلة تنفيذ المشاريع المرتبطة برؤية التحديث الاقتصادي وتحديث القطاع العام، وتحفيز القطاعات الإنتاجية وتشجيع الاستثمار، إلى جانب ضبط النفقات وتعزيز الإيرادات المحلية وخفض العجز الأولي والمديونية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي.
وقال الخبير الاقتصادي حسام عايش، في تصريحات لـ«الغد»، إن الفرضيات الاقتصادية التي يستند إليها بلاغ إعداد موازنة 2027 تبدو معقولة، وإن كانت تحمل قدرا من التفاؤل، موضحا أن تحقيقها يتطلب استمرار تحسن الأداء الاقتصادي وتوفير قوة دفع محلية وخارجية، إلى جانب ظروف إقليمية تساعد على استقرار النشاط الاقتصادي.
وأشار عايش إلى أن التوجهات تجمع بين تحفيز النمو عبر تعزيز الإنفاق الرأسمالي والاستثمار المحلي والأجنبي وتسريع المشاريع الإستراتيجية، وتحسين المستوى المعيشي عبر الزيادة الإضافية على الرواتب وتوسيع الحماية الاجتماعية والتأمين الصحي ودعم السلع الإستراتيجية.
وقال إن التحدي الأساسي يرتبط بمدى توافر الموارد المالية والقدرة التنفيذية، مشيرا إلى أن نجاح الموازنة يتطلب نموا حقيقيا في الإيرادات ورفع إنتاجية الإنفاق العام، لا مجرد إعادة توزيع النفقات ضمن السقوف المتاحة.
وفيما يتعلق بمستهدف النمو، أوضح عايش أن الأداء الاقتصادي خلال النصف الأول من العام الحالي يعزز إمكانية بلوغ المستهدف الحكومي، لكنه لفت إلى أن بعض المؤسسات الدولية تضع توقعات لنمو الاقتصاد الأردني عند مستويات أقل، ما يجعل تحقيق 3.1% تحديا يتطلب استمرار تحسن النشاط وتعزيز الاستثمار والإنتاج. وبشأن التجارة الخارجية، قال إن نمو المستوردات المتوقع ينبغي أن يرتبط باحتياجات العملية الإنتاجية والاستثمارية، ولا سيما المعدات والأنظمة اللازمة للمشاريع، بدلا من تركزه في المستوردات الاستهلاكية.
من جهته، قال الخبير الاقتصادي أحمد عوض إن توقع نمو الاقتصاد بنسبة 3.1% خلال العام المقبل يبدو ممكنا، لكنه يبقى مشروطا بتنفيذ المشاريع وتحفيز الاستثمار والإنتاج، وقدرة الاقتصاد على مواصلة التعامل مع الضغوط الإقليمية، مؤكدا أهمية أن تنعكس نتائج النمو على فرص العمل ومستويات الدخول والخدمات العامة.
واعتبر عوض أن توقع نمو الصادرات بنسبة 9.2% يبدو منطقيا إلى حد ما في ضوء الأداء المسجل خلال العام الحالي، لكنه يحمل قدرا من التفاؤل في ظل الظروف الإقليمية، مشيرا إلى أهمية توجيه السياسات والمخصصات نحو دعم القطاعات الإنتاجية والتصديرية وتعزيز وصولها إلى الأسواق الخارجية.
وأضاف أن تقييم هذا المستهدف يستدعي النظر إلى تفاصيل مشروع قانون الموازنة عند إعداده، لمعرفة انعكاس توقعات الصادرات على الإيرادات والمخصصات الموجهة للقطاعات الإنتاجية، والسياسات والمشاريع التي ستسهم في تحقيق معدلات النمو المستهدفة.
وفيما يتعلق بالتضخم، أشار عوض إلى أن توقع بلوغه 2.3% خلال العام المقبل يبدو منسجما مع معدلات التضخم المعتدلة المسجلة محليا خلال الفترة الماضية، مع أهمية استمرار استقرار أسعار الطاقة والغذاء والنقل.
وبين أن من أبرز المستجدات في البلاغ الزيادة الإضافية الشهرية البالغة 30 دينارا للموظفين والمتقاعدين الذين تقل رواتبهم الإجمالية عن 600 دينار، إلى جانب إبراز ملفات النقل المدرسي والتعليم الدامج والمشاريع الكبرى، فيما تمثل ملفات دعم السلع الأساسية وتوسيع التأمين الصحي والحماية الاجتماعية وضبط العجز والمديونية توجهات مستمرة في السياسة المالية.
وأكد عوض أن أهمية هذه الإجراءات ترتبط بترجمتها إلى مخصصات فعلية وتنفيذ يحقق نتائج ملموسة، لافتا إلى أن النمو الاقتصادي ينبغي ألا يقاس بالمؤشرات الكلية وحدها، بل بقدرته على توفير فرص العمل وتحسين الدخول وتوسيع الخدمات.
ويشكل الإنفاق الرأسمالي أحد المحاور الرئيسة في توجهات موازنة 2027، إذ يوجه البلاغ إلى رصد المخصصات اللازمة للمشاريع الإستراتيجية ومشاريع الشراكة مع القطاع الخاص، ومواصلة تنفيذ البرامج والمشاريع المرتبطة برؤية التحديث الاقتصادي، مع أولوية لمشاريع البنية التحتية في قطاعات المياه والنقل والطاقة والصحة والتعليم.
ويشمل ذلك تخصيص مساهمة الحكومة في مشروعي الناقل الوطني والسكك الحديدية، ومشاريع تزويد المدن الصناعية بالغاز، إلى جانب المشاريع الرأسمالية في المحافظات.
وقال الخبير الاقتصادي منير دية إن أهمية أن تشهد موازنة العام المقبل زيادة في مخصصات الإنفاق الرأسمالي مقارنة بالعام الحالي، إلى جانب استمرار تخصيص الموارد اللازمة لاستكمال المشاريع والبرامج المنبثقة عن البرنامج التنفيذي الثاني لرؤية التحديث الاقتصادي للأعوام 2026-2029.
وأضاف دية أن مواصلة تمويل المشاريع الحكومية الكبرى، وفي مقدمتها مشروع الناقل الوطني والسكك الحديدية والغاز الريفي، إلى جانب مشاريع البنية التحتية والطاقة، من شأنها أن تعزز النمو الاقتصادي وتحسن الأداء الكلي للاقتصاد، وتسهم في خفض البطالة وزيادة الصادرات.
وأشار إلى أهمية استمرار تخصيص الموازنات للمشاريع التي تنفذها الوزارات والمؤسسات الحكومية، ولا سيما في قطاعات الطاقة والأشغال العامة، بما يضمن توسيع النشاط الاستثماري وتعزيز الأثر الاقتصادي للإنفاق العام.
وفيما يتعلق بالمشاريع التي تضمنها البلاغ، قال وزير الدولة للشؤون الاقتصادية السابق يوسف منصور إن التوجه نحو مواصلة تنفيذ المشاريع الكبرى والإستراتيجية، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص في قطاعات البنية التحتية والمياه والنقل والطاقة، يمثل ركيزة مهمة لدفع عجلة النمو الاقتصادي وتوسيع النشاط الاستثماري.
وأضاف منصور أن هذه المشاريع لا تقتصر آثارها على تطوير البنية التحتية وتحسين الخدمات، بل تمتد إلى تحفيز القطاعات الاقتصادية المرتبطة بها وتوفير فرص العمل وتعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على جذب الاستثمارات، مشيرا إلى أن تسريع تنفيذها يرفع أثر الإنفاق الرأسمالي على النشاط الاقتصادي.
وقال إن أهمية هذه المشاريع تبرز في قدرتها على إحداث آثار اقتصادية متداخلة، تبدأ من تنشيط قطاعات الإنشاءات والصناعة والخدمات، وتمتد إلى تحسين كفاءة النقل والطاقة والمياه، بما يخفض كلف الإنتاج ويعزز تنافسية الاقتصاد الوطني على المدى المتوسط والطويل.
وعلى صعيد الخدمات والحماية الاجتماعية، تضمن البلاغ توجيهات برصد المخصصات اللازمة لتوسيع مظلة التأمين الصحي، ودعم صندوق المعونة الوطنية، وتمويل برامج الرعاية والحماية الاجتماعية والتمكين الاقتصادي للأسر المستفيدة، إلى جانب دعم التعليم وتطوير الموارد البشرية وتأهيل المعلمين والتوسع في التعليم الدامج والتعليم في مرحلة الطفولة المبكرة.
كما شملت التوجهات توفير النقل المدرسي المجاني، ودعم السلع الإستراتيجية والحفاظ على أسعار الخبز وأسطوانات الغاز، وتأمين مخزون إستراتيجي من القمح والشعير، وتخصيص الأموال اللازمة للعلاجات والأدوية والمستلزمات الطبية وعلاج مرضى السرطان.
وفي موازاة التوجهات التوسعية، شدد البلاغ على مواصلة ترشيد النفقات العامة وضبطها، وتعزيز الإيرادات المحلية، وخفض العجز الأولي والمديونية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، إلى جانب تسريع تنفيذ المشاريع الممولة من المنح والمساعدات الدولية، وتوجيه الموارد المتاحة نحو البرامج والمشاريع ذات الأولوية التنموية.
كما ألزم البلاغ الوزارات والدوائر والوحدات الحكومية بإعداد مشاريع موازناتها للأعوام 2027-2029 وفق السقوف المالية المحددة، وتحديث خططها الإستراتيجية وربط البرامج الحكومية بمؤشرات أداء ونتائج قابلة للقياس، بما يعزز كفاءة الإنفاق ويربط المخصصات بالأهداف التنموية والخدمات المقدمة للمواطنين.
وقال الخبير الاقتصادي موسى الساكت إن الفرضيات التي بنيت عليها الموازنة تبدو منطقية إلى حد كبير، وتأخذ بعين الاعتبار حالة عدم اليقين الإقليمي والتوترات الجيوسياسية وانعكاساتها على التجارة والطاقة والنقل والاستثمار والسياحة.
ودعا الساكت إلى عدم النظر إلى موقع الأردن الجغرافي باعتباره مصدرا للمخاطر فقط، بل فرصة لتعزيز دوره كمركز إقليمي للصناعة والتجارة والخدمات اللوجستية، والاستفادة من فرص إعادة الإعمار في المنطقة.
وأكد أن الاقتصاد الوطني يمتلك مقومات تسمح بتحقيق أداء أفضل، خصوصا إذا نجح في تحفيز الاستثمار المحلي والأجنبي، وتخفيض كلف الإنتاج، وتعزيز تنافسية الصناعة الوطنية وزيادة الصادرات.
وتبقى قدرة موازنة 2027 على تحقيق أهدافها مرتبطة بمدى نجاح الحكومة في تحويل المخصصات المالية إلى مشاريع منجزة ونتائج اقتصادية ملموسة، بما يحقق التوازن بين تحفيز النمو وتحسين مستوى المعيشة والمحافظة على الاستقرار المالي.
