يؤكد المتخصصون في مجالات النقل والطيران أن التوجه نحو زيادة الطاقة الاستيعابية لمطار الملكة علياء الدولي لتصل إلى 18 مليون مسافر سنوياً، يُعد خطوة استراتيجية بالغة الأهمية. وتهدف هذه الخطوة إلى مواكبة التزايد المستمر في حركة الطيران، وترسيخ مكانة الأردن كمركز إقليمي محوري. ولضمان تحقيق العوائد الاقتصادية والتشغيلية المرجوة، يشدد الخبراء على ضرورة أن تتزامن هذه التوسعة مع زيادة الوجهات العالمية، وجذب شركات طيران جديدة، والارتقاء بخدمات العبور (الترانزيت) والشحن الجوي، فضلاً عن دمج المطار ضمن شبكة نقل ولوجستيات شاملة. ولا يقتصر الهدف من هذه المشاريع على استيعاب أعداد أكبر من المسافرين فحسب، بل يمتد لتعزيز دور الأردن كنقطة ربط حيوية بين أوروبا، والعراق، وبلاد الشام، ودول الخليج.
خطة طموحة لزيادة السعة الاستيعابية بنسبة 50%
تسعى خطة التطوير الحالية إلى رفع سعة المطار بنسبة 50%، لتنتقل من 12 مليون مسافر سنوياً في الوقت الراهن إلى 18 مليون مسافر بحلول عام 2029. ووفقاً لما كشفت عنه “مجموعة المطار الدولي”، سيشهد الإطار الزمني (2026-2029) تنفيذ 15 مشروعاً استراتيجياً تغطي كافة تفاصيل رحلة المسافر. وتشمل هذه المشاريع توسعة مبنى المسافرين، وتحديث منطقة القادمين، وتحسين مرافق فرز وتسليم الأمتعة، وتطوير المنطقة الجمركية، وتعزيز الخدمات الذاتية والبوابات الإلكترونية، إلى جانب إعادة تأهيل الجانب الجوي. وتأتي هذه التحديثات كاستمرار لجهود التطوير التي انطلقت مع اتفاقية الامتياز في عام 2007، والتي أسهمت مرحلتها الأولى في رفع السعة إلى 9 ملايين مسافر، قبل أن تصل إلى 12 مليوناً مع إنجاز المرحلة الثانية عام 2016.
أرقام قياسية في حركة السفر تؤكد حتمية التوسعة
تأخذ مشاريع التوسعة بُعداً أكثر إلحاحاً بالنظر إلى القفزات الملحوظة في حركة السفر. فقد سجل المطار خلال العام الماضي رقماً قياسياً بلغ نحو 9.79 مليون مسافر، مترافقاً مع 80,565 حركة طيران، وما يقارب 69,770 طناً من الشحن الجوي. وبعد أن استقبل المطار 9.2 مليون مسافر في عام 2023، تراجعت الأرقام إلى 8.8 مليون في 2024 بفعل التوترات الإقليمية، لتعود وتحقق نمواً بنسبة 11.27% العام الماضي، مستحوذة بذلك على 81.6% من السعة السنوية الحالية. ورغم تأثر الحركة بالظروف المحيطة خلال شهر نيسان (أبريل) الماضي بانخفاض الركاب بنسبة 49.5% (411,865 مسافراً)، وتراجع حركة الطائرات بنسبة 38.7% (3,953 حركة)، والشحن بنسبة 34.7% (4,114 طناً) مقارنة بنفس الشهر من العام السابق، إلا أن هذه المؤشرات أظهرت تعافياً واضحاً مقارنة بشهر آذار (مارس) الذي سبقه، مسجلة ارتفاعاً في أعداد المسافرين بنسبة 11.2%، وحركة الطائرات بنسبة 10.4%، والشحن الجوي بنسبة 44.3%.
رؤية المسؤولين والخبراء للارتقاء بالخدمات
في سياق متصل، شددت وزيرة النقل السابقة وسام التهتموني على أهمية هذه الخطوات، وقالت: “إن توسعة مطار الملكة علياء تأتي ضمن مسار تطوير خدمات المطار والالتزامات المترتبة على الشركة المشغلة، وتشمل زيادة الطاقة الاستيعابية وتطوير المرافق والبوابات، بما يساهم في تحسين تجربة المسافر، وتقليص زمن تقديم الخدمات، والحفاظ على مستويات الجودة، إلى جانب دعم جهود استقطاب شركات طيران عالمية”. وأضافت أن هذه الجهود تراعي الأبعاد البيئية وتدعم قطاع الشحن.
من جهتها، أوضحت وزيرة النقل السابقة، الدكتورة لينا شبيب، أن الوصول لسعة 18 مليون مسافر هو قرار استراتيجي يرفع تنافسية المطار ويخفف الضغط التشغيلي، لكنها ربطت نجاح هذه الخطوة بمدى تكاملها مع تحسين البنية التحتية المحيطة، وتسهيل الوصول للمطار، وتطوير شبكات النقل العام لضمان تجربة سفر سلسة خاصة في أوقات الذروة.
أما الخبير في قطاع الطيران الكابتن يوسف هملان الدعجة، فقد أشار إلى ضرورة شمولية التطوير، وقال: “إن الوصول إلى طاقة استيعابية تبلغ 18 مليون مسافر ينبغي أن ينظر إليه ضمن منظومة متكاملة تشمل، صالات المسافرين، وأنظمة الجوازات، والإجراءات الأمنية، ومرافق الأمتعة، ومواقف الطائرات، والبوابات، والطرق، وشبكات النقل المرتبطة بالمطار”.
شبكة الوجهات واللوجستيات ركيزة أساسية للنمو
يتفق الخبراء على أن مضاعفة عدد الوجهات الجوية وتوسيع شبكتها يمثل حجر الزاوية لتحقيق أقصى استفادة من السعة الجديدة. وبنهاية العام الماضي، كان المطار يخدم 87 وجهة من خلال 40 شركة طيران، ما يؤكد ضرورة جذب المزيد لتعزيز رحلات الترانزيت. كما يشكل تطوير قطاع الشحن، وتسريع التخليص الجمركي، وربط المطار بشبكات النقل البري عوامل حاسمة لترسيخ موقع الأردن كمنصة لوجستية إقليمية. ومع استمرار المنافسة الإقليمية، يبقى المعيار الحقيقي لنجاح خطة 2029 مرتبطاً بالقدرة على تحويل التوسعة العمرانية إلى زيادة فعلية ومستدامة في أعداد المسافرين، والرحلات، وحجم البضائع.
