اختتم مجلس النواب النقاشات حول أحد أبرز مشاريع القوانين في الدورة الاستثنائية الحالية، حيث تمت المصادقة على مشروع القانون المعدل لقانون الملكية العقارية لعام 2026. جاء هذا الإقرار بعد أربع جلسات متتالية من المداولات التي غطت معظم بنود المشروع، وشهدت حوارات معمقة وعشرات المقترحات النيابية التي انصبت على صون حق الملكية الخاصة، آليات التعويض والاستملاك، قضايا إزالة الشيوع، الإيجار التمويلي، وتحديد المفهوم القانوني للطريق.
تمرير التشريع وأبعاده الاستثمارية
عُقدت الجلسة الختامية برئاسة مازن القاضي، وأدار النائب الأول خميس عطية جزءاً منها، وسط حضور رئيس الحكومة جعفر حسان وأعضاء طاقمه الوزاري. وبعد استكمال التصويت على المواد المتبقية، تقرر إحالة المشروع بصيغته المعتمدة إلى مجلس الأعيان لاستيفاء المسار الدستوري.
يُصنف هذا المشروع كأحد أهم التشريعات الاقتصادية التي طُرحت على طاولة المجلس، نظراً لتأثيره المباشر والعميق على النشاط العقاري والتمويلي. ويتضمن التشريع إعادة هيكلة مجموعة واسعة من المعاملات العقارية، بدءاً من عمليات التسجيل والإفراز، مروراً بالاستملاك والتصرف بالعقارات، وصولاً إلى توسيع مظلة الخدمات الرقمية في دائرة الأراضي والمساحة.
التحديث الحكومي مقابل الضمانات الدستورية
وخلال الجلسات، ظهر تباين واضح في وجهات النظر؛ فبينما سعت الحكومة إلى دفع عجلة الإجراءات العقارية وتقليص الفترات الزمنية لإنجاز المعاملات، شدد عدد من النواب على الأهمية القصوى للحفاظ على الضوابط الدستورية وعدم الانتقاص من الحصانة القانونية المقررة للملكيات الخاصة.
ويهدف التعديل التشريعي إلى خلق بيئة جاذبة للاستثمار في القطاع العقاري، وتمكين الجهات المعنية من إعداد دراسات ومؤشرات دقيقة للسوق لتعزيز الشفافية ودعم اتخاذ القرار. كما يتيح القانون الجديد عمليات البيع والإفراز للمخططات قبل إتمام البناء، فضلاً عن إصدار وثائق تخصيص تعتمدها البنوك لتسهيل الإجراءات التمويلية وتنشيط الاستثمار.
القضايا الخلافية: إزالة الشيوع وتعريف الطريق
تطرق المشروع إلى حل معضلة “إزالة الشيوع” التي طالما أرقت القطاع العقاري، حيث تم تبسيط آلياتها لتجاوز التعارض مع بعض التشريعات الخاصة. وتم استبدال شرط الإجماع ليصبح مقتصراً على موافقة مالكي ثلاثة أرباع العقار في حالات قسمة محددة، مع ضمان الحفاظ على حقوق بقية الشركاء.
أما المادة الخاصة بتعريف “الطريق”، فقد أخذت حيزاً واسعاً من النقاش، خاصة فيما يتعلق بضم السكك الحديدية لهذا المفهوم. وحذر بعض النواب من تداعيات ذلك على آليات التعويض وحقوق الملاك عند استملاك الأراضي، في حين تمسكت الحكومة واللجنة القانونية بالنص باعتباره خطوة ضرورية لمواكبة مشاريع البنية التحتية المستقبلية وتوحيد المفاهيم. ليتم في النهاية الموافقة على التعريف ليشمل الشوارع، الممرات، الجسور، الأدراج، السكك الحديدية، ومرافقها.
كذلك، نالت مواد التأجير التمويلي نصيبها من الجدل، حيث طالب نواب بوضع ضوابط أكثر صرامة على الاستثناءات الممنوحة للاحتفاظ ببعض العقارات، لتجنب أي توسع غير مبرر أو اختلاف في التفسير مستقبلاً.
تعديلات جوهرية على نسب التعويض ووسائل الإعلان
شهدت الجلسة الأخيرة تعديلاً جوهرياً تمثل في موافقة المجلس على رفع الحد الأعلى للتعويض الإداري -الذي يجوز للجهات المستملكة دفعه خلال التفاوض مع المالك- من 10% إلى ما لا يتجاوز 20%.
وجاء هذا القرار استجابة لمطالب نيابية بمنح مرونة أكبر للوصول إلى تسويات رضائية، مما يقلل من اللجوء لساحات القضاء ويسرع إنجاز مشاريع المنفعة العامة. وأوضح النواب أن هذا الرفع ليس زيادة تلقائية بنسبة 20%، بل يمنح الإدارة سقفاً تفاوضياً يراعي القيمة السوقية الحقيقية للعقار ويحقق التوازن بين حماية المال العام وإنصاف أصحاب الحقوق.
وفي خطوة لتعزيز مبادئ الشفافية، أقر المجلس توسيع وسائل الإعلان لتشمل الصحف اليومية كقنوات رسمية إلى جانب المنصات الإلكترونية المعتمدة، لضمان وصول الإشعارات لأكبر شريحة ممكنة وتقليل النزاعات الناتجة عن عدم العلم بالإجراءات العقارية.
رؤية مشتركة نحو الاستقرار العقاري
أكدت الحكومة أن هذه التعديلات جاءت لمعالجة اختلالات تراكمت لسنوات، وفي مقدمتها بطء إجراءات إزالة الشيوع التي جمدت استثمار آلاف العقارات المشتركة. وساندت اللجنة القانونية هذا الطرح، مشيرة إلى أن التعديلات تتوافق مع أحكام الدستور وتواكب التطور الاقتصادي والإداري.
ورغم التباينات حول آليات التقاضي وحدود الصلاحيات الإدارية، أجمع النواب في نهاية المطاف على حتمية تحديث التشريعات العقارية وتطوير الخدمات المقدمة. ويعد هذا القانون من أوسع مشاريع القوانين مناقشة في الدورة الحالية، مؤسساً لمرحلة جديدة من التنظيم العقاري الذي يدعم الاستثمار ويحفظ الحقوق الدستورية للملكية الخاصة في آن واحد.
