تعاقب الأحداث السماوية وبروز نجم سهيل
تشهد سماء المملكة الأردنية خلال شهر أيلول تحولات هامة تعكس الانتقال بين الفصول، حيث تتوالى الأحداث الفلكية البارزة بدءاً من شروق نجم سهيل، ومروراً باقتران القمر مع مجموعة الثريا النجمية، وتغيرات أطوار القمر، وصولاً إلى نقطة الاعتدال الخريفي التي تبشر ببداية الخريف من الناحية الفلكية في النصف الشمالي للكرة الأرضية.
وقد صرح رئيس الجمعية الفلكية الأردنية، الدكتور عمار السكجي، أن نجم سهيل استهل شروقه لهذا العام في الثامن والعشرين من شهر آب، غير أن فرصة رصده بالعين المجردة تتزايد تدريجياً بمرور أيام شهر أيلول، لتغدو رؤيته أكثر وضوحاً وسهولة عقب الثاني عشر منه، وذلك في المناطق التي تتمتع بأفق جنوبي مكشوف وأجواء صافية.
وبين السكجي في تصريحاته لوكالة الأنباء الأردنية (بترا)، أن هذا النجم يُصنف كثاني ألمع النجوم في السماء ليلاً بعد نجم الشعرى اليمانية، ويطل على ارتفاع منخفض عبر الأفق الجنوبي للمملكة. ولفت الانتباه إلى أن هذا الظهور لا يُعد مسبباً لتغير الحالة الجوية، بل يتوافق زمنياً مع فترة تتسم بالتحول التدريجي وتراجع حدة حرارة الصيف.
وإلى جانب ذلك، يترقب المهتمون فجر يوم غد الخميس ظاهرة اقتران القمر بعنقود الثريا، وهو حدث يمكن متابعته بالعين المجردة، بينما تُتيح المناظير الفلكية رؤية نجوم العنقود بتفاصيل أدق، ومن المنتظر أن تتكرر هذه الظاهرة الفلكية مساء الثلاثين من أيلول.
أطوار القمر وموعد الاعتدال الخريفي
وفيما يخص التغيرات القمرية، أوضح السكجي أن بداية الشهر القمري تنطلق بمرحلة المحاق يوم 11 أيلول بتمام الساعة 6:27 صباحاً، يعقبها طور التربيع الأول في الثامن عشر من الشهر ذاته، ليكتمل القمر في طور البدر يوم 26 أيلول عند الساعة 7:49 مساءً. وأضاف أن بدر أيلول يُطلق عليه اسم “قمر الحصاد”، نظراً لكونه البدر الأقرب من حيث التوقيت إلى موعد الاعتدال الخريفي. وقد اقترن هذا المسمى عبر التاريخ بالمجتمعات الزراعية، حيث كان النور المنبعث منه يمنح المزارعين إضاءة طبيعية إضافية تعينهم في أوقات الحصاد.
وتصل سلسلة هذه الأحداث الفلكية إلى ذروتها مع حدوث الاعتدال الخريفي، والمقرر فجر الثالث والعشرين من أيلول عند الساعة 3:05 بتوقيت الأردن، ليعلن الانطلاقة الفلكية لفصل الخريف. وفسر السكجي هذه الظاهرة بأنها تنتج عن دوران الأرض حول الشمس مع ميل محورها بنحو 23.5 درجة. وخلال هذه المرحلة، تعبر الشمس ظاهرياً خط الاستواء السماوي في طريقها نحو الجنوب، مما يؤدي إلى تناقص ساعات النهار بشكل تدريجي لصالح زيادة ساعات الليل.
ويمتد الخريف بحسابات الفلك لهذا العام لفترة تبلغ 89 يوماً و20 ساعة و45 دقيقة، ليختتم دورته بحلول الانقلاب الشتوي في الحادي والعشرين من كانون الأول. وشدد السكجي على أن هذا الاعتدال لا يترتب عليه تحول فوري ومفاجئ في الطقس، ففصل الخريف في الأردن يُعتبر مرحلة انتقالية تتأرجح فيها الأجواء بين أيام حارة وأخرى معتدلة، قبل أن تبدأ درجات الحرارة مسارها التنازلي المعتاد.
دلالات النجوم في الذاكرة المناخية والموروث العربي
أما من الزاوية التراثية، فقد بيّن إبراهيم الدعجة، عضو الجمعية الفلكية الأردنية والباحث في الموروث الشعبي وعلاقته بعلم الفلك، أن كلاً من نجم سهيل وعنقود الثريا شكلا عبر التاريخ محطات زمنية بالغة الأهمية في حياة العرب. فقد اعتمدوا على مواقع هذه الأجرام وتتبع مساراتها لتحديد بدايات الفصول، ومواسم الزراعة، وأوقات الرعي، وترتيب رحلات السفر.
ونوّه الدعجة إلى أن بروز نجم سهيل ارتبط في الذاكرة الشعبية بجملة من الأقوال والمأثورات، من أبرزها: «إذا ظهر سهيل لا تأمن السيل»، وكذلك «إذا ظهر سهيل تلمّس التمر بالليل». في حين ارتبطت مجموعة الثريا بضبط التقويم النجمي، ومتابعة حركة القمر والمواسم المختلفة.
وأكد أن مثل هذه المقولات تجسد ذاكرة مناخية شعبية تكوّنت عبر سنين طويلة من الملاحظة الدقيقة وتراكم الخبرات، ولا يمكن التعامل معها كتنبؤات جوية وفق منظور العلم الحديث. وأشار إلى أن مراقبة النجوم والقمر والظواهر الطبيعية أسهمت قديماً في تأسيس ما عُرف بـ«علم الأنواء».
وبهذا، يمزج شهر أيلول بين الحسابات الفلكية الصارمة والموروث الشعبي العريق، حيث تستعيد سماء الأردن خلاله حضور كل من سهيل والثريا وتتابعات أطوار القمر، لتمهد الطريق نحو محطة الاعتدال الخريفي وإعلان بدء فصل الخريف فلكياً.
