الرئيسيةالتكنولوجيادور التقنيات الحديثة وتكامل القطاعات في خفض تكاليف الغذاء بالأردن

دور التقنيات الحديثة وتكامل القطاعات في خفض تكاليف الغذاء بالأردن

لم تعد مسألة تسعير المنتجات الغذائية تقتصر على نفقات الإنتاج الزراعي البحتة أو تقلبات الأسواق الدولية، بل إن وراء كل كيلوغرام من الحبوب أو الخضار والفواكه سلسلة من التكاليف الخفية التي تشمل استهلاك الأراضي، والمياه، والطاقة، وعمليات النقل، والتبريد، والتخزين.

وبناءً على ذلك، تظهر حاجة ماسة وملحة لتغيير النهج الحالي، والانتقال من التعامل مع قطاعات الطاقة والمياه والغذاء ككيانات معزولة، إلى إدارتها كشبكة واحدة متداخلة. هذا التحول لا يلعب دوراً في الحفاظ على الموارد الطبيعية فحسب، بل يمثل ركيزة أساسية في تقليص نفقات الغذاء ودعم ركائز الأمن الغذائي.

الترابط العضوي بين المياه والطاقة والزراعة

أوضح الخبير في الأمن الغذائي، د. فاضل الزعبي، أن هذه المعادلة تأخذ بعداً بالغ الأهمية في الأردن؛ نظراً لشح الموارد المائية واعتماد الزراعة بشكل رئيسي عليها. فعمليات استخراج المياه ونقلها ومعالجتها تستهلك طاقة هائلة، وفي الوقت ذاته، يعتمد القطاع الزراعي على الطاقة في الري، والتصنيع، والنقل، والتخزين والتبريد. وعليه، فإن أي زيادة في تكلفة عنصر واحد من هذه الشبكة ستنعكس تلقائياً على السعر النهائي للغذاء.

وقد طرح الزعبي تساؤلات جوهرية حول آلية العمل الحالية، قائلاً: “هل ندير هذه القطاعات فعلا باعتبارها منظومة واحدة، أم ما زلنا نتعامل معها عبر خطط ومؤسسات وقرارات منفصلة؟”. وأشار إلى أن المسؤوليات تتوزع بين وزارة المياه والري، ووزارة الزراعة، ووزارة الطاقة والثروة المعدنية. ورغم تفهمه لهذا التقسيم الإداري، فقد تساءل: “هل يرافقه، بالقدر الكافي، تنسيق حكومي مؤسسي قادر على إدارة الروابط بين هذه القطاعات؟ وهل يتم، عند اتخاذ قرار زراعي أو مائي أو متعلق بالطاقة، احتساب تأثيره على القطاعين الآخرين بصورة منهجية؟”.

وأضاف متسائلاً: “هل تستطيع الوزارات الثلاث أن تنظر إلى المتر المكعب من المياه والكيلوواط من الطاقة ليس فقط كمدخل مستقل، وإنما كجزء من تكلفة إنتاج كيلوغرام الغذاء؟”. وأكد أنه في حال كانت الرؤية لا تزال مجتزأة، فقد حان الوقت لإيجاد آلية تنسيق متينة تدمج تكاليف الإنتاج الزراعي والمائي والطاقة ضمن نموذج اقتصادي موحد.

ولفت إلى أن القضية لا تكمن في إلقاء اللوم على جهة حكومية محددة، بل في ضرورة إعادة تقييم منهجية العمل الحكومي ككل، مضيفاً: “هل تكفي الخطط القطاعية المنفصلة لتحقيق أهداف مشتركة في الأمن الغذائي؟ وهل نحتاج إلى إطار وطني واضح لربط قرارات وزارات المياه والزراعة والطاقة، مع مؤشرات مشتركة لقياس النتائج؟ ومن المسؤول، في نهاية المطاف، عن تعظيم كمية الغذاء والقيمة الاقتصادية التي نحصل عليها من كل متر مكعب من المياه وكل وحدة من الطاقة؟”.

وأكد الزعبي وجود فرص حقيقية لاستثمار هذا الترابط لتقليل تكلفة الغذاء، من خلال عدة خطوات عملية تشمل:

  • الاعتماد على الطاقة الشمسية في تشغيل مضخات الري لخفض فاتورة الطاقة.
  • تبني أنظمة الري المتطورة للحد من استنزاف المياه.
  • التوسع المدروس في تقنيات الزراعة المائية، والمحمية، وإعادة تدوير المياه المعالجة.
  • انتقاء المحاصيل الزراعية بناءً على جدواها الاقتصادية وكفاءتها المائية، بحيث يتمحور الهدف حول إنتاج كميات أكبر من الغذاء باستهلاك موارد أقل.

توظيف الذكاء الاصطناعي وأهمية حوكمة البيانات

من جانب آخر، بيّن الخبير في التنمية الريفية والأمن الغذائي والأستاذ في كلية الزراعة بالجامعة الأردنية، د. نائل الظاهر، أن إدخال الذكاء الاصطناعي يمنح هذه المعادلة أبعاداً متطورة. فمن خلال دمج بيانات التربة، والطقس، وقراءات أجهزة الاستشعار، وصور الأقمار الصناعية، وتحليلات الأسعار، يمكن ابتكار أنظمة ذكية قادرة على:

  • تحديد الاحتياجات الدقيقة لري المحاصيل.
  • التنبؤ بحجم الإنتاج الزراعي واكتشاف حالات الإجهاد المائي للنباتات مبكراً.
  • تحسين جدولة أوقات الزراعة ومواسم الحصاد.
  • مواءمة قرارات الإنتاج مع التقلبات المتوقعة في الأسواق.

ومع ذلك، أكد الظاهر أن التكنولوجيا بمفردها لا تمثل حلاً سحرياً، بل إن التحدي الأكبر يكمن في حوكمة البيانات والتنسيق المشترك، موضحاً ذلك بقوله: “فإذا بقيت بيانات المياه لدى جهة، وبيانات الإنتاج الزراعي لدى جهة أخرى، وبيانات الطاقة لدى جهة ثالثة، فكيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقدم لصانع القرار صورة متكاملة؟”.

وختم بالتأكيد على أن إدارة العلاقة المتداخلة بين الغذاء والمياه والطاقة تتجاوز كونها مسألة فنية أو بيئية؛ بل هي سياسة اقتصادية حيوية تهدف إلى تقليص أسعار الغذاء ورفع تنافسية القطاع الزراعي الأردني، واضعاً صانعي القرار أمام تساؤل حاسم: “هل نستطيع أن ننتقل من إدارة ثلاثة قطاعات مترابطة إلى إدارة منظومة وطنية واحدة، يكون معيار نجاحها النهائي هو الحصول على غذاء أكثر، بكلفة أقل؟”.

عمر الزعبي
عمر الزعبي
عمر الزعبي صحفي ومحلل أخبار، يتمتع بخبرة تزيد عن عشر سنوات في العمل مع مؤسسات إعلامية بارزة داخل الأردن وخارجه. يقدم تحليلات معمقة وتقارير ميدانية وصحافة استقصائية تغطي الأخبار الأردنية والأحداث العالمية في مختلف المجالات، مما يعزز مكانة jodaily.com.
مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات