نجحت فرق البحث الصينية في التعرف على صنفين جديدين من المعادن القمرية التي لم تُسجل من قبل، وذلك من خلال فحص العينات التي عادت بها المهمة الفضائية “تشانغ إي-5”.
وقد تم الإعلان عن هذا الإنجاز من قِبل الإدارة الوطنية للفضاء في الصين، تزامناً مع فعاليات تدشين يوم الفضاء الصيني في دورته الحادية عشرة بمدينة تشنغدو يوم الجمعة. وأكدت الجهات الرسمية أن الرابطة الدولية لعلم المعادن صادقت على اعتماد هذه العناصر الجديدة رسمياً، مطلقة عليها مُسميي “ماغنيسيو تشانجسيت-(Y)” و”تشانجسيت-(Ce)”. ويُعد هذا الإنجاز ثاني وثالث اكتشاف معدني صيني على سطح القمر، عقب التوصل إلى معدن “تشانجسيت-(Y)” المبدئي خلال عام 2022.
أما على المستوى الدولي، فيشكل هذا الإعلان التحديد السابع والثامن لمعادن قمرية مستخلصة من عينات فضائية تم جلبها إلى الأرض. وتُصنف هذه المواد ضمن مجموعة الفوسفات الأرضية النادرة، حيث تتوارى داخل الذرات المتناهية الصغر للتربة القمرية. وأوضح الخبراء أن هذه التكوينات البلورية الدقيقة تمتلك خصائص فريدة لا مثيل لها على كوكبنا، وتندرج تحت عائلة “الميريليت”، التي تمثل نوعاً من فوسفات المعادن المألوفة في العينات المستردة من المريخ، والقمر، والأجرام السماوية الأخرى.
دقة متناهية: جراحة ميكروسكوبية لغبار الفضاء
تولى العالِم “لي زي يينغ” قيادة مجموعة من الباحثين في معهد بكين لجيولوجيا اليورانيوم للتوصل إلى معدن “ماغنيسيو تشانجسيت-(Y)”. وتتخذ هذه المادة هيئة بلورات ذات شكل عمودي قصير، تتراوح أبعادها بين 2 و30 ميكرومتراً فقط، وتتمركز غالباً في صخور البازلت الدقيقة ضمن المواد القمرية المستخرجة.
وقد شكل رصد هذه المادة المتناهية الصغر عقبة استثنائية، نظراً لسيطرة عنصر المغنيسيوم على البناء البلوري، فضلاً عن كون حجم الجسيم يعادل جزءاً ضئيلاً يتراوح بين ثلث إلى واحد على ثلاثين من سُمك شعرة الرأس البشرية. واستلزمت عملية استخلاص البلورة استخدام مجهر إلكتروني ماسح مزود بشعاع أيوني دقيق لضمان أعلى درجات العناية.
وصرح جي شيانغكون، الباحث في المعهد، لصحيفة “جلوبال تايمز” بأن إجراءات الفصل تماثل العمليات الجراحية الميكروسكوبية، حيث إن أي ضغط إضافي بسيط قد يُتلف العينة المدروسة. وأكد جي على قيمة هذا الاكتشاف قائلاً: “باعتباره عضوًا جديدًا في مجموعة الميريليت، يوفر المغنيسيوم تشانجسيت-(Y) عينة معدنية جديدة لدراسة تكوين القمر والنشاط الصهاري والتمايز الكيميائي، مما يساعد العلماء على فهم التاريخ الجيولوجي للقمر بشكل أفضل. “
مستقبل واعد لتطوير المواد المبتكرة
وفي سياق متصل، ترأس الأكاديمي “هو زينغتشيان”، التابع للأكاديمية الصينية للعلوم الجيولوجية، الطاقم العلمي الذي رصد معدن “تشانجسيت-(Ce)”. وتمكن الخبراء من تحديد مكان هذا العنصر في الغبار القمري العائد عبر مهمة “تشانغ إي-5” من منطقة “أوشينوس بروسيلاروم”، إلى جانب تواجده في النيزك القمري المعروف باسم “باكيباكي 005”. وكان المستكشفون قد استعادوا هذا النيزك في صحراء تاكليماكان الصينية خلال عام 2024، ليُسجل كأول نيزك قادم من القمر يتم توثيقه وإقراره رسمياً داخل البلاد.
وفي معرض توضيحه لخصائص هذا التكوين المميز، قال هو لصحيفة ”جلوبال تايمز“: “Changesite-(Ce) هو معدن فوسفاتي غني بعنصر السيريوم النادر، وينتمي إلى مجموعة الميريليت. وبالمقارنة مع المعادن من نفس المجموعة الموجودة في عينات من الأرض والمريخ والكويكبات، فإنه يُظهر إثراءً واضحًا في العناصر الأرضية النادرة، وبالتالي يُعد بمثابة ”بصمة“ معدنية كوكبية.”
وأشار هو أيضاً إلى وجود اختلافات جوهرية بين النتائج الحالية وما أسفرت عنه الرحلات الفضائية القديمة، مبيناً أن عينات رحلات “أبولو” تتسم بزيادة في العناصر الأرضية النادرة الثقيلة، بينما تتميز عينات “تشانغ إي-5” بوفرة في العناصر الأرضية النادرة الخفيفة. ويدل هذا التباين على حدوث انفصال كيميائي واسع النطاق إبان مرحلة التطور الصهاري للقرص.
وذكر “وانغ يانجوان”، المكتشف الأول لـ “تشانجسيت-(Ce)”، أن المجموعة البحثية اعتمدت على آليات فحص متطورة، مثل تقنية النانو إندنتاتيون والتحليل الطيفي بالرامان، بهدف تقييم السمات الفيزيائية لهذا المورد الطبيعي غير المسجل بطريقة منهجية.
ولا يقتصر أثر اكتشاف “تشانجسيت-(Ce)” على تعميق المدارك البشرية حول الكون فحسب، بل يفتح أبواباً جديدة لابتكار مواد صناعية حديثة. وأفاد “كو كاي”، عضو الجمعية الصينية لعلم الصخور والجيوكيمياء، بأن هذا المعدن يتمتع بخصائص إضاءة بارزة، مما يعكس قابليته القوية للاستخدام في تطوير مواد الفوسفور الخاصة بمصابيح الديودات الباعثة للضوء الأبيض. وفي المحصلة، تمنح هذه المكتشفات بيانات جوهرية لتقدير حجم ثروات العناصر الأرضية النادرة المتاحة على سطح القمر، ورسم خطط مستقبلية لاستغلال تلك الموارد في الموقع (ISRU).
