أظهر تقرير “برنامج العمل اللائق في الأردن للأعوام 2025-2027″، الصادر حديثًا عن منظمة العمل الدولية، زيادة ملحوظة في نسبة العمل غير المنظم ضمن السوق الأردني، حيث تجاوزت 55% من إجمالي القوى العاملة. وهذا يعني أن شريحة كبيرة من العمال تفتقر إلى الحماية الاجتماعية، والتأمين الصحي، ومظلة التقاعد.
وبحسب التقرير، فإن هذا الارتفاع يشير إلى ضعف في بيئة الأعمال والتحديات التي تواجه انتقال المشاريع الصغيرة إلى القطاع الرسمي، داعيًا إلى تضافر جهود الحكومة وأصحاب العمل والعمال لتعزيز فرص العمل، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية، وتحسين ظروف العمل.
ويأتي هذا البرنامج في وقت يواجه فيه الأردن تحديات اقتصادية واجتماعية، من أبرزها ارتفاع معدلات البطالة، لا سيما بين الشباب والنساء، وتأثيرات الأزمات الإقليمية واستضافة اللاجئين، بالإضافة إلى التداعيات الاقتصادية والتغير المناخي. ويستند البرنامج إلى “رؤية التحديث الاقتصادي 2022-2033″، التي تركز على القضايا الاجتماعية، وتوفير فرص العمل، والنمو الشامل، وتمكين الشباب والنساء، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وتحفيز الاقتصادين الأخضر والرقمي، وذلك بما يتماشى مع أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة.
تحديات سوق العمل الأردني:
سلط التقرير الضوء على التحديات الكبيرة في سوق العمل الأردني، حيث بلغ معدل البطالة 22% في عام 2023. وتصل نسبة البطالة بين الشباب (15-24 عامًا) إلى 46%، وبين النساء إلى 30.7%. كما أشار التقرير إلى أن المشاركة الاقتصادية للمرأة لا تزال منخفضة جدًا، إذ تبلغ حوالي 14% فقط مقابل 53% للرجال، مما يبرز فجوة كبيرة في فرص العمل.
وأوضح التقرير أن الاقتصاد الأردني يواجه صعوبة في خلق فرص عمل كافية للداخلين الجدد إلى السوق، على الرغم من أن أكثر من نصف السكان دون سن الثلاثين. كما لفت إلى الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق، مما يدفع الكثير من الخريجين إما إلى البطالة أو الانخراط في العمل غير المنظم بأجور منخفضة.
الجهود الحكومية للتشغيل:
استعرض التقرير جهود الحكومة الأردنية لمواجهة هذه التحديات، ومنها إطلاق “برنامج التشغيل الوطني” عام 2022، والذي نتج عنه توقيع حوالي 16 ألف عقد عمل حتى نهاية 2024، منها أكثر من 8400 عقد للنساء.
كما تضمنت الجهود تنظيم جلسات إرشاد مهني، وتشغيل ذوي الإعاقة، وإنشاء فروع إنتاجية في المحافظات لتوفير فرص عمل، أغلبها للنساء. وشملت الإجراءات أيضًا تحديث أنظمة التفتيش وربطها إلكترونيًا لضمان الالتزام بقانون العمل، وتطوير معايير السلامة المهنية، وإطلاق استراتيجيات لمكافحة عمل الأطفال.
تحديات الحماية الاجتماعية:
فيما يخص الحماية الاجتماعية، بيّن التقرير أن الأردن يسعى لتطوير نظام أكثر شمولية، إلا أن التغطية لا تزال محدودة؛ حيث يحصل حوالي 27.8% فقط من القوى العاملة على منفعة حماية اجتماعية واحدة على الأقل. ويعتمد النظام على مؤسسة الضمان الاجتماعي، وصندوق المعونة الوطنية، وصندوق الزكاة. إلا أن هناك فجوات كبيرة، لا سيما بالنسبة للعاملين في القطاع غير المنظم، والنساء، واللاجئين، والعمال المهاجرين.
وأبرز التقرير دور صندوق المعونة الوطنية في دعم أكثر من 50 ألف أسرة و145 ألف فرد في عام 2023، إلى جانب تنفيذ برامج تمكين اقتصادي تهدف إلى تحويل الأسر لتصبح منتجة عبر التدريب والتشغيل.
تعزيز حقوق المرأة والعمالة المهاجرة:
أشار التقرير إلى أن الأردن قام بتعديلات دستورية وتشريعية لتعزيز حقوق المرأة، بما في ذلك إقرار مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص، وتوفير ترتيبات العمل المرن، وتوسيع حماية الأمومة، ومنع التمييز في الأجور والتحرش الجنسي في العمل، بالإضافة إلى إطلاق حملات توعية لدعم مشاركة النساء الاقتصادية.
كما خصص التقرير جزءًا مهمًا للعمالة المهاجرة واللاجئين، مشيرًا إلى أن الأجانب يشكلون حوالي 31% من سكان الأردن، ويمثل العمال المهاجرون حوالي 44% من القوى العاملة. وأوضح أن الأردن يستضيف أكثر من 657 ألف لاجئ سوري و2.39 مليون لاجئ فلسطيني، مشيدًا بانفتاح الأردن في دمج اللاجئين في سوق العمل، حيث أُصدر نحو 90 ألف تصريح عمل للسوريين في عام 2023.
وفي الختام، شدد البرنامج على أولوياته التي تتمثل في تحقيق نمو اقتصادي أخضر وشامل، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وتعزيز الشفافية والمشاركة، وخلق فرص عمل لائقة، مع التركيز على عدم استثناء أي فئة لدعم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
موقف وزارة العمل ورأي الخبراء:
أكدت وزارة العمل أن “البرنامج الوطني للعمل اللائق” مستمر منذ حوالي 20 عامًا بالشراكة مع منظمة العمل الدولية، ونُفذ على عدة مراحل بتعاون مشترك مع أطراف العمل. وأوضحت الوزارة أنها عملت على تطوير قوانين العمل وأنظمة التفتيش لتتوافق مع المعايير الدولية، مشيرة إلى أن البرنامج الحالي للأعوام 2025-2027 يستند إلى تقييم أُجري عام 2022، ويركز على النمو الأخضر، والحماية الاجتماعية، والحوار الاجتماعي، والمساواة.
من جانبه، أشار رئيس بيت العمال، حمادة أبو نجمة، إلى التحديات التي يواجهها الشباب والنساء، والتي تتمثل في بطالة طويلة الأمد ونقص في الفرص النوعية. ولفت إلى أن بيئات العمل تفتقر إلى التحفيز وتعاني من تدني الأجور، بالإضافة إلى عمل شريحة واسعة خارج مظلة الضمان الاجتماعي. وأكد أبو نجمة على ضرورة وجود خطة وطنية تركز على جودة الوظائف، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وتعزيز الحوار الاجتماعي، وتوفير بيئة عمل مستقرة.
