صرحت مؤسسة “أنثروبيك” يوم الجمعة عن إيقاف مفاجئ لأكثر إصداراتها تطوراً في تقنيات الذكاء الاصطناعي عن كافة المستخدمين. ويأتي هذا الإجراء استجابة لقرار من السلطات الأميركية يفرض حجب هذه النماذج عن الأفراد الأجانب لدواعي مرتبطة بالأمن القومي.
وبينت الشركة أنها تسلمت أمراً يستند إلى قوانين الرقابة على الصادرات، يُلزمها بوقف وصول الأفراد غير الحاملين للجنسية الأميركية إلى نموذجي “فابل 5” و”ميثوس 5″، وذلك دون تقديم توضيحات دقيقة حول طبيعة المخاطر الأمنية التي استدعت هذه الخطوة.
وبحسب فهم الشركة للقرار، يبدو أن الجهات الحكومية تعتقد بوجود ثغرة محتملة قد تمكن البعض من اختراق جدران الحماية المدمجة في نموذج “فابل 5″، مما قد يسهل استغلاله لرصد ثغرات في برمجيات أخرى.
سياق القرار وتاريخ العلاقات مع الإدارة الأميركية
ويتزامن هذا التطور مع بوادر انفراج في العلاقات التي كانت متوترة سابقاً بين إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب و”أنثروبيك”، خاصة في ظل استعداد الشركة للتوجه نحو الاكتتاب العام.
وشهدت الأشهر الماضية احتقاناً بين الطرفين على خلفية امتناع الشركة عن منح الجيش الأميركي صلاحية توظيف نماذجها في مهام المراقبة المحلية أو تزويد أنظمة الأسلحة ذاتية التشغيل بها، وهو ما دفع الإدارة الأميركية آنذاك لإدراج الشركة ضمن القائمة السوداء لسلاسل الإمداد، بقرار يُنتظر تفعيله في وقت لاحق من العام الجاري.
ويشكل هذا التدخل تحولاً جذرياً وتصعيداً في استراتيجية واشنطن لتحجيم التطور التكنولوجي لخصومها في قطاع الذكاء الاصطناعي. فبعد أن كانت القيود تتركز أساساً على حظر تصدير الشرائح الإلكترونية والمعدات المشغلة لهذه الأنظمة، انتقلت الاستراتيجية الآن لتشمل تقييد استخدام النماذج البرمجية ذاتها.
وأفادت “أنثروبيك” بأن ما تلقته من الجهات الحكومية لم يتعد كونه أدلة شفهية تشير إلى احتمالية ضئيلة لاختراق أنظمة الأمان. وعقبت الشركة ببيان رسمي قالت فيه: «نختلف مع الرأي القائل إن اكتشاف وسيلة محدودة محتملة لتجاوز الحماية يبرر سحب نموذج تجاري يستخدمه مئات الملايين من الأشخاص».
تباين في وجهات النظر وتصعيد حكومي
وتبرز هذه التطورات حجم الهوة وتصاعد الخلاف بين مطوري تقنيات الذكاء الاصطناعي والجهات التشريعية حيال طرق تقييم التهديدات المرتبطة بكسر الحماية وتجاوز الضوابط الأمنية.
وعلى الرغم من مطالبة “أنثروبيك” مؤخراً بتشديد الرقابة الأميركية ومنح الجهات المختصة سلطة حظر النماذج ذات المخاطر غير المقبولة، إلا أنها ترى أن الخطوة الأخيرة تفتقر إلى أسس التنظيم المنطقي المبني على الأدلة.
في المقابل، شددت كيرستن ديفيز، مسؤولة تكنولوجيا المعلومات في البنتاغون، على موقف الوزارة الداعم لتغليب المصلحة الوطنية. وكتبت في تدوينة عبر منصة “إكس”: «هناك أمور أهم من دورات الإيرادات والعناوين المثيرة وتقييمات ما قبل الطرح العام. أميركا أولاً… دائماً».
يُذكر أن “أنثروبيك” كانت قد سارعت خلال الشهر المنصرم لتقديم أوراقها سراً للطرح في البورصة الأميركية، في خطوة تسبق بها منافستها المباشرة “أوبن إيه آي” نحو الأسواق المالية المفتوحة.
تداعيات القرار ومخاوف الأمن السيبراني
وشهد الأسبوع الجاري إطلاق الشركة لنموذج “كلود فابل 5″، والذي يُدشن فئة قدرات حديثة أُطلق عليها “فئة ميثوس”. ويحمل هذا الإصدار ضوابط صارمة تحظر توظيفه في القطاعات الحساسة كالأمن السيبراني، وهي محددات وصفها بعض المستخدمين بأنها مبالغ فيها.
وتتعالى تحذيرات الخبراء من إمكانية استخدام نماذج “ميثوس” لتسريع وتيرة الهجمات الإلكترونية المعقدة في حال تم استغلالها بشكل سيئ، لا سيما ضد قطاعات حيوية كالبنوك التي تعتمد على بنى تحتية مترابطة وقديمة.
من جهتها، شددت الشركة على التزامها بالتنسيق المسبق مع الحكومة وجهات أخرى لضمان السلامة قبل الإطلاق، لافتة إلى أن النماذج المنافسة تمتلك بدورها قدرات لرصد الثغرات البرمجية البسيطة.
وفي توضيح لأثر القرار، صرحت الشركة: «النتيجة المباشرة لهذا القرار هي أننا مضطرون إلى تعطيل نموذجي فابل 5 وميثوس 5 لجميع عملائنا لضمان الامتثال. أما بقية نماذج أنثروبيك فلن تتأثر».
وأضافت أنها تعتبر ما جرى ناتجاً عن سوء فهم، وتسعى جاهدة لاستعادة تشغيل النماذج في أقرب وقت. وحذرت الشركة من مغبة تعميم هذا الإجراء على القطاع، معتبرة أنه سيؤدي لعرقلة طرح أي نماذج متقدمة مستقبلاً.
وتزامناً مع ذلك، أكدت خدمة الحوسبة السحابية التابعة لشركة “أمازون” أن “أنثروبيك” أوعزت إليها بوقف وصول كافة المستخدمين عالمياً إلى النموذجين المذكورين، في حين صرح مسؤول حكومي بتأكيد صدور توجيه من وزارة التجارة بحظر وصول الأجانب للنموذجين.
وعلق دين بول، المسؤول السابق في البيت الأبيض والمساهم في صياغة خطة العمل الأميركية للذكاء الاصطناعي لعام 2025، مبيناً أن التوجيه قد يحرم جميع غير الأميركيين، حتى القاطنين داخل الولايات المتحدة، من الاستفادة من هذه النماذج، مضيفاً: «هذا يعني أنه قد يُطلب منك إثبات جنسيتك لاستخدام نماذج أنثروبيك».
وأشار التقرير إلى أن هذا التعقيد قد يطال كبار موظفي الشركة، كالباحث أندريه كارباتي وكريس أولاه وأماندا أسكيل، وهم من غير مواليد الولايات المتحدة، حيث لا يزال تأثير القرار على وضعهم القانوني غير واضح حتى الآن.
