مع تراجع حدة درجات الحرارة ودخول فصل الصيف، تشهد محافظة جرش توافداً سياحياً واجتماعياً لافتاً خلال ساعات المساء، بأسلوب وحجم يغاير تماماً وتيرة النشاط النهاري.
وتدب الحيوية من جديد في أرجاء المدينة العريقة، ابتداءً من أزقتها التاريخية وأسواقها المزدحمة، وصولاً إلى مطاعمها ومتنزهاتها ومواقعها الطبيعية الساحرة. وتجد العائلات والشباب في هذه الأوقات المعتدلة فرصة مثالية للاستجمام والترويح عن النفس والتنزه، هرباً من أجواء الصيف القاسية.
الأثر الاقتصادي وإطالة فترات بقاء السائحين
تُعد السياحة الليلية من أبرز الأنماط السياحية التي تسهم بفعالية في تنشيط الحركة التجارية ودعم قطاعات الخدمات، ولا سيما في المحافظات الغنية بالإرث الثقافي والطبيعي كجرش، التي تمزج بين عراقة التاريخ وجمال الطبيعة والنشاط الثقافي المستمر.
ويؤكد الخبراء في الشأن السياحي أن الاستغلال الأمثل للفترات المسائية كفيل بمضاعفة المداخيل الاقتصادية، إلى جانب تمديد فترة إقامة الزائر، وتوفير فرص عمل جديدة للشباب، مما يرسخ موقع المحافظة كوجهة سياحية شاملة على مدار الساعة.
وفي هذا السياق، توضح المهندسة صفاء الزعبي، مديرة وحدة تمكين المرأة في بلدية المعراض ومديرة مشروع متنزهها القومي، أن المناخ اللطيف والموقع الجغرافي الفريد لجرش يجعلانها محط أنظار الزائرين صيفاً، حيث تشجع الأجواء الباردة ليلاً الأسر على التوجه نحو الحدائق، المناطق المفتوحة، والأسواق الشعبية.
وتضيف أن العديد من الأماكن تنشط بشكل ملحوظ بعد الغروب، ممتدة من قلب المدينة إلى المناطق المجاورة للمواقع الأثرية أو القرى التي تضم منشآت سياحية. ولا تقتصر ثمار هذا النشاط على الجانب الترفيهي، بل تتعداه لتشمل إنفاقاً ملموساً ينعكس على مداخيل المقاهي، المطاعم، المتاجر، محطات الوقود، ووسائل النقل، مما يدعم عجلة الاقتصاد المحلي بقوة.
من جهتهم، يشير العديد من التجار إلى أن المبيعات المسائية باتت تشكل ركيزة أساسية في الإيرادات اليومية، خصوصاً في مواسم العطلات وعودة المغتربين، حيث يفضل الكثيرون التسوق ليلاً. ويرى التاجر راشد عضيبات أن هذا الزخم أتاح فرص عمل إضافية في قطاع الضيافة، معتبراً أن مهرجان جرش للثقافة والفنون يمثل محركاً رئيسياً لهذا النشاط، ومضيفاً:
“مع انتهاء الفعاليات الفنية والثقافية يتوجه الكثير من الزوار إلى الأسواق والمطاعم والمقاهي ما ينعكس إيجاباً على الحركة التجارية ويعزز من فرص الاستفادة الاقتصادية للمجتمع المحلي.”
كما يوضح أن المهرجان يلعب دوراً في تعريف الزوار بمعالم المحافظة الأخرى، مما يحفزهم على تكرار الزيارة، لتصبح ليالي جرش بمثابة طوق نجاة تجاري واقتصادي. ويتفق المراقبون على أن السياحة المسائية تمثل خياراً استراتيجياً لتنويع مصادر الدخل وإشراك المجتمع المحلي، مما يتطلب تضافر الجهود بين القطاعين العام والخاص لتجويد الخدمات.
تطوير الخدمات وتنويع المنتجات السياحية الليلية
من جهة أخرى، يرى رئيس جمعية المحافظة على الآثار، رفاد العياصرة، أن النهوض بالسياحة الليلية يحتاج إلى رؤية شاملة وحسن إدارة للموارد الحالية، قائلاً:
“جرش تمتلك تاريخا عريقا ومواقع أثرية عالمية وطبيعة جميلة وموروثاً ثقافيا غنيا وجميعها عناصر قادرة على جذب الزوار في مختلف الأوقات إذا ما تم توظيفها بالشكل المناسب.”
ويؤكد العياصرة على ضرورة تهيئة بيئة آمنة وملائمة للسياحة العائلية المسائية، باعتبار العائلات الشريحة الأكبر من الزوار. كما أن زيارات المغتربين تسهم في تحريك الأسواق، فضلاً عن دورهم كسفراء ينقلون الصورة الإيجابية عن المحافظة إلى الخارج. هذا النشاط ينعكس إيجاباً على كافة المجالات بما فيها قطاع النقل الذي يزدهر مع استمرار تنقلات الزوار حتى ساعات متأخرة.
وحول الاتجاهات الحديثة لتطوير هذا القطاع، يصرح المهندس إبراهيم قوقزة، مدير قسم الحراج في زراعة جرش:
“إن السياحة المسائية أصبحت جزءا أساسيا من التجارب السياحية الحديثة في العديد من دول العالم، إذ يتم التركيز على توفير أنشطة وفعاليات تمتد إلى ساعات الليل بما يسهم في زيادة إنفاق الزائر وتحسين تجربته السياحية،”
ويتابع موضحاً سبل التطوير:
“ما تزال هناك فرص واسعة لتطوير هذا النمط السياحي من خلال تحسين البنية التحتية والخدمات العامة وتوفير المزيد من المرافق التي تشجع الزوار على البقاء لفترات أطول، بما في ذلك تطوير الإنارة في المواقع السياحية والحدائق العامة، وتعزيز عناصر السلامة العامة وتوفير مساحات مخصصة للعائلات والأطفال إضافة إلى تنظيم فعاليات ثقافية وفنية وترفيهية بشكل مستمر.”
أما على صعيد الحرف اليدوية والمشاريع الصغرى، فيشير العاملون في هذا المجال إلى تصاعد الإقبال خلال المساء. ويلخص التاجر الحرفي راكان العقيلي هذا الأثر وأهمية الأسواق الشعبية في النقاط التالية:
- دعم المشاريع الصغيرة: توفير منصة حيوية للأسر المنتجة والحرفيين لعرض وتسويق ابتكاراتهم أمام شريحة واسعة من الزوار.
- تعزيز الهوية المحلية: إتاحة تجارب ثقافية للزوار تعكس تراث وهوية مدينة جرش الأصيلة.
- استدامة النشاط: تحفيز الاستثمار والتخطيط المستقبلي لجعل ليالي جرش وجهة سياحية نابضة بالحياة ولا تنام.
