يُصنف فيروس هانتا ضمن الأمراض الفيروسية غير الشائعة ولكنها تتسم بخطورة بالغة، حيث تنتقل مسببات المرض في العادة من القوارض إلى البشر، مما قد يُحدث مضاعفات صحية قاسية تصيب الكلى أو الرئتين. وفي هذا السياق، يُقدم معهد العناية بصحة الأسرة، التابع لمؤسسة الملك الحسين، تفصيلاً شاملاً حول طبيعة هذا الفيروس، مسارات انتقاله، العلامات الدالة على الإصابة به، والفئات الأكثر عُرضة لخطره، إلى جانب استعراض آليات التشخيص، سبل العلاج، والتدابير الوقائية اللازمة.
وقد تزايد القلق العالمي تجاه هذا الفيروس إثر تسجيل إصابات متفرقة في بلدان عدة، مترافقة مع معدلات وفيات مرتفعة في السلالات الأشد ضراوة. ومن جهتها، تُشير منظمة الصحة العالمية إلى أن “هانتا” ليس فيروساً مستجداً، بل ينتمي لعائلة فيروسية مكتشفة منذ عشرات السنين، غير أنه لا يزال يُشكل عقبة صحية كبرى نظراً للتعقيدات المرتبطة باكتشافه المبكر ومخاطره الكبيرة.
ما هي طبيعة فيروس هانتا؟
يُعد هانتا مجموعة من السلالات الفيروسية المنضوية تحت عائلة (Hantaviridae). وتتخذ هذه الفيروسات من بعض القوارض، كالجرذان والفئران، مضيفاً طبيعياً لها دون أن تُمرضها. تكمن الخطورة عند انتقال الفيروس للإنسان، حيث يتسبب باعتلالات صحية تتباين حدتها وتأثيراتها تبعاً للنطاق الجغرافي ونوع السلالة:
- في أوروبا وآسيا: تؤدي الإصابة إلى ظهور متلازمة كلوية تترافق مع حمى نزفية.
- في الأمريكيتين: يتسبب الفيروس بمتلازمة قلبية رئوية أو متلازمة رئوية، وتُعتبر هذه الحالات الأشد فتكاً.
وتبين تقارير منظمة الصحة العالمية أن احتمالات الوفاة في بعض سلالات الفيروس قد تلامس حاجز الـ 50% في الحالات الحرجة، لا سيما في حال تأخر الرعاية الطبية والتشخيص.
آليات انتقال العدوى
تحدث الإصابة بفيروس هانتا في الغالب عبر استنشاق رذاذ أو هواء ملوث بجزيئات دقيقة متطايرة من لعاب، أو بول، أو براز القوارض الحاملة للمرض. كما توجد طرق أخرى لانتقال المرض تشمل:
- ملامسة الأسطح الملوثة بمخلفات القوارض، ومن ثم لمس مناطق الأنف، أو العينين، أو الفم.
- التعرض لعضات القوارض المصابة (وهي حالات نادرة الحدوث).
وتكثر حوادث انتقال العدوى خلال القيام بمهام التنظيف في الأماكن المغلقة التي تتخذها القوارض أوكاراً لها، كالمنازل المهجورة، الأكواخ، الحظائر، والمستودعات. فاستخدام المكنسة الكهربائية أو الكنس الجاف يؤدي إلى تطاير الجسيمات الملوثة، مما يضاعف من فرص استنشاقها. وعلى الرغم من أن الغالبية العظمى من سلالات الفيروس لا تنتقل من إنسان لآخر، إلا أنه تم رصد حالات نادرة جداً لانتقال سلالة تُعرف بـ “فيروس الأنديز” (المتواجدة في أجزاء من أمريكا الجنوبية) بين البشر.
الأعراض المرافقة للإصابة
تتراوح فترة حضانة الفيروس قبل ظهور الأعراض بين أسبوع إلى أربعة أسابيع من تاريخ التعرض للعدوى. وتبدأ العلامات الأولى مشابهة لنزلات البرد والإنفلونزا، مما يعقد عملية التشخيص المبكر.
الأعراض الأولية للمرض:
- ارتفاع ملحوظ في درجات الحرارة (الحمى).
- آلام في الرأس (صداع).
- شعور بالإنهاك والتعب المفرط.
- أوجاع عضلية، تتركز غالباً في الفخذين والظهر.
- الرغبة في التقيؤ والشعور بالغثيان.
- نوبات من الإسهال وآلام في منطقة البطن.
الأعراض المتقدمة والخطيرة: مع تقدم مسار المرض، تبرز علامات أشد خطورة تشمل:
- نوبات سعال قوية.
- صعوبات بالغة في التنفس.
- تراكم السوائل داخل الرئتين.
- هبوط حاد في ضغط الدم.
- قصور في وظائف الكلى (في سلالات محددة).
ويُعتبر ضيق التنفس بمثابة جرس إنذار يستوجب تدخلاً طبياً فورياً، نظراً لقدرة المرض على التدهور السريع في غضون أيام معدودة.
آليات التشخيص
يعتمد الأطباء في تشخيص هانتا بالدرجة الأولى على التاريخ الطبي للمريض، وبشكل خاص تواجده في بيئات موبوءة بفضلات القوارض. ولتأكيد الإصابة، يتم إجراء:
- فحوصات مخبرية للدم للبحث عن الأجسام المضادة للفيروس.
- تحاليل الحمض النووي التي تساهم في رصد الفيروس خلال مراحله الأولى.
ويواجه الأطباء تحدياً يتمثل في تشابه أعراض المرض مع حالات تنفسية أخرى كعدوى كوفيد-19، والالتهاب الرئوي، والإنفلونزا، مما يتطلب يقظة طبية عالية لربط الأعراض التنفسية الحادة باحتمالية التعرض للقوارض.
الإجراءات العلاجية
إلى وقتنا الحاضر، لم يتم اعتماد لقاح واقٍ أو علاج دوائي محدد للقضاء على معظم سلالات فيروس هانتا. لذا، يتركز التدخل الطبي على تقديم الرعاية الداعمة والمكثفة للمريض داخل المستشفيات، والتي تتضمن:
- تزويد المريض بالأكسجين.
- المتابعة الحثيثة لعمل الكلى، والقلب، والرئتين.
- إعطاء السوائل الوريدية بعناية فائقة.
- اللجوء إلى أجهزة التنفس الاصطناعي عند تدهور الحالة.
وتؤكد الأبحاث الطبية أن سرعة اكتشاف المرض وتوفير العناية المركزة في الوقت المناسب يرفعان من معدلات النجاة والتعافي بشكل ملحوظ.
الفئات الأكثر عرضة للخطر
تزداد احتمالية الإصابة بالعدوى لدى شرائح معينة بحكم طبيعة عملهم أو بيئتهم، وهم:
- العمال المختصون في مجالات مكافحة القوارض.
- العمال في القطاع الزراعي والمزارعون.
- الأفراد المعنيون بتنظيف وترميم المباني المهجورة والقديمة.
- محبو الرحلات البرية والتخييم في الطبيعة.
- القاطنون في بيئات تفتقر للنظافة وتكثر فيها القوارض. كما يُعد الحفظ العشوائي للأطعمة وتدني مستويات النظافة في المنازل من العوامل الجاذبة للقوارض والمسببة للمرض.
التدابير الوقائية ضد فيروس هانتا
نظراً لغياب العلاجات المتخصصة، تُعد الوقاية خط الدفاع الأول والأساسي. وبناءً على توجيهات مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC)، يُنصح باتباع الخطوات التالية:
- السيطرة على القوارض: يتحتم سد كافة الشقوق والمنافذ التي قد تتسلل منها الفئران إلى المستودعات أو المنازل. كما يجب تخزين الأطعمة في عبوات محكمة الإغلاق والقضاء على أي مصادر للغذاء والماء قد تجذبها.
- التعامل الآمن مع الأماكن الملوثة: يُحظر تماماً استخدام المكانس الكهربائية أو الكنس الجاف لفضلات القوارض لتجنب تطاير الفيروس. ويُفضل اتباع المنهجية الآتية:
- فتح النوافذ لتهوية المكان لمدة نصف ساعة كحد أدنى.
- الالتزام بارتداء كمامة واقية وقفازات.
- رش الفضلات بمحاليل التبييض المخففة أو المطهرات.
- التقاط الفضلات باستخدام أدوات تنظيف رطبة أو مناديل.
- الاهتمام بغسل اليدين وتطهيرهما جيداً بعد الانتهاء.
- الالتزام بالنظافة العامة: التخلص الدوري من القمامة وتنظيف مواقع تخزين الطعام يُسهمان في الحد من تكاثر القوارض، مع ضرورة الامتناع عن ترك الأطعمة مكشوفة في محيط المنزل أو داخله.
- الانتباه خلال التخييم: يجب الابتعاد عن افتراش الأرض في المناطق التي توجد بها علامات تدل على وجود قوارض، وعدم الاقتراب من فضلاتها أو جحورها، مع الحرص على إبعاد مؤن الطعام عن متناول الحيوانات البرية.
- نشر الوعي الصحي: تكتسب الحملات التثقيفية أهمية كبرى في إرشاد الأفراد، وتحديداً في المجتمعات الزراعية والريفية، حول مخاطر القوارض والأساليب الصحيحة لتفادي العدوى.
