في خضم الأجواء الدبلوماسية المشحونة والمتقلبة بين طهران وواشنطن، أصدر المرشد الأعلى الإيراني، آية الله مجتبى خامنئي، أوامر صارمة تمنع نقل مخزون البلاد من اليورانيوم المخصب إلى الخارج، معلناً بذلك رفضه الصريح لواحد من أهم البنود التي يصر عليها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مفاوضات السلام الدائرة، وفق ما كشفته وكالة رويترز نقلاً عن مصدرين من داخل إيران.
وتأتي هذه التطورات بعد أن قدم ترامب في وقت سابق وعوداً وتطمينات للجانب الإسرائيلي تفيد بأن كامل مخزون طهران من اليورانيوم عالي التخصيب – والذي يعد المكون الأساسي لإنتاج الأسلحة النووية – سيتم ترحيله بالكامل خارج الأراضي الإيرانية، بحسب ما نقله مسؤولون إسرائيليون للوكالة ذاتها.
وفي المقابل، يبدي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تمسكاً كبيراً بموقف راديكالي، مشدداً على رفضه التام لوقف العمليات العسكرية إلا في حال تطبيق شروط صارمة تشمل الإخراج الكامل لليورانيوم المخصب، وقطع الدعم المالي واللوجستي الذي تقدمه طهران للفصائل الموالية لها في المنطقة، بالإضافة إلى الإنهاء الكامل لمنظومة الصواريخ الباليستية الإيرانية.
غير أن هذه المطالب قوبلت برفض قاطع من الأوساط السياسية في طهران. حيث أفاد أحد المصدرين الإيرانيين، متحدثاً شريطة عدم كشف هويته نظراً لسرية المداولات: “توجيهات المرشد الأعلى والإجماع داخل مؤسسات الدولة تؤكد أن مخزون اليورانيوم المخصب يجب ألا يغادر البلاد”.
وأوضح المصدران أن النخبة العسكرية والسياسية في إيران ترى في التنازل عن هذه المواد الحيوية وشحنها للخارج تقويضاً مباشراً وجسيماً للأمن القومي، وتجريداً للبلاد من أوراق قوتها مما يجعلها لقمة سائغة أمام أي هجمات محتملة من واشنطن أو تل أبيب. وتجدر الإشارة إلى أن الدستور الإيراني يمنح المرشد الأعلى الكلمة الفصل والنهائية في كافة القرارات الاستراتيجية.
ويعيش المشهد الدبلوماسي حالة من الانسداد رغم سريان هدنة غير مستقرة بدأت في الثامن من نيسان/أبريل الماضي، والتي جاءت بعد سلسلة من الضربات الجوية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد أهداف إيرانية في الثامن والعشرين من شباط المنصرم. وقد ردت طهران حينها باستهداف منشآت في دول خليجية تأوي قواعد أمريكية، بالتزامن مع اندلاع مواجهات ضارية بين القوات الإسرائيلية وعناصر حزب الله في الأراضي اللبنانية.
ومع أن المعارك العسكرية المباشرة متوقفة حالياً، فإن الوفود المفاوضة لم تحرز أي اختراق سياسي ملموس، لا سيما مع استمرار واشنطن في فرض حصار بحري خانق على الموانئ الإيرانية، مقابل تلويح طهران بورقتها الاستراتيجية المتمثلة في السيطرة على مضيق هرمز الذي يعد شريان الطاقة العالمي. وتجرى هذه الاتصالات الدبلوماسية عبر وساطة تقوم بها باكستان.
ووفقاً لتقديرات المصدرين، فإن مشاعر التوجس والشك تهيمن على دوائر صنع القرار في إيران، حيث يرى قطاع واسع من المسؤولين أن التهدئة الراهنة ليست سوى مناورة تكتيكية وخديعة من واشنطن لإيقاع طهران في فخ الطمأنينة قبل التجهيز لجولة جديدة من الغارات الجوية الأمريكية.
وفي سياق هذه المخاوف المتصاعدة، صرح رئيس البرلمان وكبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر قاليباف يوم الأربعاء بأن “التحركات العلنية والخفية للعدو تؤكد أن الجيش الأميركي يهيئ الأرضية لهجمات جديدة”.
وفي المقابل، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الأربعاء أن الولايات المتحدة على أهبة الاستعداد لشن ضربات عسكرية إضافية ورادعة ضد إيران إذا ما امتنعت عن التوقيع على اتفاق سلام دائم وشامل، ملمحاً في الوقت ذاته إلى إمكانية منح القيادة الإيرانية مهلة زمنية قصيرة لا تتعدى “أياماً قليلة” لتقديم ما وصفها بـ “الإجابات الصحيحة”.
ورغم إقرار المصادر بوجود بعض التفاهمات المحدودة في ملفات ثانوية، فإن نقاط الخلاف الجوهرية لا تزال تشكل عقبة كأداء أمام التوصل لاتفاق، وتحديداً ما يتعلق بمستقبل البرنامج النووي، ومصائر مخزونات اليورانيوم عالي التخصيب، وإصرار طهران على نيل اعتراف دولي بحقها السيادي غير القابل للتصرف في التخصيب.
وجدد المسؤولون الإيرانيون التأكيد على أن المطلب الأساسي لطهران يكمن في الوصول إلى صيغة نهائية وملزمة لإنهاء الحرب، شريطة أن تقترن بضمانات دولية صارمة تمنع الولايات المتحدة وإسرائيل من القيام بأي عمل عسكري مستقبلي ضد أراضيها. وأضافوا أن إيران ترفض الخوض في تفاصيل ملفها النووي قبل الحصول على هذه التطمينات الأمنية الموثوقة.
ولطالما دأبت إيران على مدار السنوات الماضية على نفي سعيها لتطوير أو حيازة ترسانة أسلحة نووية، مؤكدة على السلمية التامة لبرنامجها.
وقبل انفجار الأوضاع العسكرية الشاملة، أبدت طهران مرونة مشروطة حيال إمكانية تصدير ما يقارب نصف كميات اليورانيوم المخصب بنسبة 60% – وهي درجة نقاء تتجاوز المتطلبات المدنية التقليدية – إلا أن هذه المرونة تلاشت تماماً عقب التهديدات الصارمة التي أطلقها ترامب بشن هجمات تدميرية واسعة ضد المنشآت الإيرانية.
وبناءً على معطيات استخباراتية نقلها مسؤولون إسرائيليون لرويترز، لا يزال الغموض يكتنف الخطوة المقبلة لترامب، وما إذا كان سيتولى توجيه الضربات بنفسه أو سيكتفي بمنح الضوء الأخضر لتل أبيب لتنفيذ عملية عسكرية مستقلة. وفي المقابل، توعدت طهران برد قاصم وغير مسبوق إذا تعرضت سيادتها لأي اعتداء جديد.
ومع ذلك، لم يغلق أحد المصادر الإيرانية الباب تماماً أمام الجهود الدبلوماسية، مبيناً أن التوصل إلى مخرج للأزمة لا يزال ممكناً عبر “صيغ قابلة للتنفيذ” قد تساهم في كسر الجمود الحالي.
وأوضح قائلاً: “هناك حلول مثل تخفيف تركيز المخزون النووي تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية”.
وتجدر الإشارة إلى أنه بحسب تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، كانت إيران تحوز نحو 440.9 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% إبان الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي استهدفت بنيتها التحتية النووية في حزيران/يونيو 2025، غير أن الحجم الفعلي للمخزون الذي سلم من تلك الهجمات لا يزال غير محدد بدقة.
وكان المدير العام للوكالة، رافائيل غروسي، قد أشار في آذار الماضي إلى أن الكميات المتبقية من هذا المخزون تقع “بشكل أساسي” داخل تحصينات وشبكة أنفاق ممتدة تحت الأرض في منشأة أصفهان، حيث يقدر المفتشون الدوليون وجود ما يزيد عن 200 كيلوغرام هناك في الوقت الراهن، مع تأكيد الوكالة على وجود جزء آخر في منشأة نطنز التي كانت تضم سابقاً موقعين منفصلين لعمليات التخصيب.
وتتمسك طهران بأن الاحتفاظ بهذه الكميات من اليورانيوم عالي التخصيب يعد ضرورة حيوية لتشغيل المرافق الطبية المحلية ومفاعل الأبحاث العلمي في طهران، والذي يعتمد في تشغيله على وقود مخصب بنسبة تصل إلى قرابة 20%.
