الرئيسيةأخبار الأردنموجات الحر العالمية: هل تشكل جرس إنذار مناخي للأردن؟

موجات الحر العالمية: هل تشكل جرس إنذار مناخي للأردن؟

في ظل الارتفاعات القياسية وغير المسبوقة في درجات الحرارة التي تجتاح القارة الأوروبية، ولا سيما فرنسا التي تخطت فيها المؤشرات حاجز الأربعين درجة مئوية، يتحول التساؤل الجوهري أمام صانع القرار في الأردن من مجرد البحث في احتمالية وصول هذه الموجات إلى المنطقة، إلى البحث في مدى جهوزيتنا للتأقلم مع واقع مناخي مغاير تماماً.

ولم يعد ما نشهده في الوقت الراهن مجرد ظروف جوية استثنائية وعابرة، بل غدا سمة أساسية وواضحة لظاهرة التغير المناخي على مستوى العالم. وعلى الرغم من أن الأردن يُصنف ضمن الدول ذات المساهمة الضئيلة جداً في انبعاثات الكربون العالمية، إلا أنه يقع في طليعة البلدان الأكثر تأثراً بهذه التحولات الحادة؛ وذلك نتيجة لندرة موارده المائية، وحساسية قطاعه الزراعي، بالتزامن مع تزايد الضغوط والطلب المتصاعد على قطاعات المياه والطاقة والغذاء.

الضغوط المتزايدة وحتمية التخطيط الإستراتيجي

يشير خبير الأمن الغذائي الدكتور فاضل الزعبي إلى أن تصاعد درجات الحرارة يؤدي بالضرورة إلى تسريع معدلات التبخر، وتراجع فاعلية استخدام الموارد المائية، وتضاعف الكميات المطلوبة لري المحاصيل، علاوة على انخفاض المردود الإنتاجي لعدد من المزروعات. كما ينذر هذا الوضع بتفاقم احتمالات نشوب الحرائق في الغابات والمناطق الحرجية، والارتفاع الحاد في أحمال استهلاك التيار الكهربائي، وتزايد التبعات الصحية الناتجة عن التعرض للإجهاد الحراري.

ويوضح الزعبي في تصريحه: “لذلك فإن التعامل مع موجات الحر يجب أن ينتقل من مرحلة الاستجابة المؤقتة إلى مرحلة التخطيط الإستراتيجي، فالتكيف مع تغير المناخ أصبح ضرورة وطنية وليس خيارا. ويبدأ ذلك بإدارة أكثر كفاءة للموارد المائية، والحد من فاقد المياه، والتوسع في استخدام المياه المعالجة في الزراعة، واعتماد تقنيات الري الحديثة، وتشجيع زراعة الأصناف المقاومة للجفاف والحرارة، إلى جانب تعزيز البحث العلمي والابتكار الزراعي.”

ويشدد على أن صون الأمن الغذائي يستوجب مراجعة جذرية لأولويات الإنتاج الزراعي، من خلال التوجه نحو المحاصيل ذات العائد الاقتصادي والقيمة الغذائية العالية مقابل كل متر مكعب يُستهلك من المياه، مقروناً ذلك بمساندة المزارعين عبر توفير التكنولوجيا الحديثة، وتطوير منظومة الإرشاد الزراعي، وتفعيل شبكات الإنذار المبكر الخاصة بالجفاف والحرارة.

ويضيف الزعبي: “في المدن، تبرز الحاجة إلى زيادة المساحات الخضراء، وتحسين التخطيط الحضري، ورفع كفاءة المباني، وتعزيز برامج التوعية الصحية لحماية الفئات الأكثر عرضة للخطر، وفي مقدمتهم كبار السن والأطفال والعاملون في المواقع المكشوفة.”

ويؤكد أن الممارسات الدولية أظهرت بما لا يدع مجالاً للشك أن الإنفاق المالي على مشاريع التكيف المناخي يُعد أقل كلفة بدرجة كبيرة من تحمل تبعات ومعالجة أضرار الكوارث الجوية بعد وقوعها؛ إذ إن كل دينار يُوجه اليوم نحو الإدارة المستدامة للمياه، والزراعة الذكية مناخياً، ومشاريع الطاقة المتجددة، سيقي الاقتصاد الوطني من خسائر فادحة في المستقبل.

ويختتم حديثه بالتأكيد على أن ما يصيب أوروبا من موجات حر لا يقتصر تأثيره على جغرافيا تلك الدول، بل بمثابة تنبيه صريح لدول المنطقة، وفي مقدمتها الأردن، بأن المستقبل المناخي قد حلّ بالفعل؛ وأن مواجهته لا تتم بمجرد القلق، بل عبر التخطيط العلمي الممنهج، والسياسات الرشيدة، والاستثمار الأمثل في القدرات البشرية والموارد الطبيعية، لضمان استدامة الأمن المائي والغذائي للأردن في ظل عالم يشهد تغيرات متسارعة وغير مسبوقة.

تدابير استباقية وحماية الغطاء النباتي

من جانبه، أوضح وزير الزراعة الأسبق سعيد المصري أن الموجات الحرارية الشديدة التي تضرب القارة الأوروبية تعد بمثابة جرس إنذار مبكر للأردن، وتدعو إلى رفع مستوى الجاهزية للتعامل مع موجات قد تكون أكثر قسوة في الفترات المقبلة. ويتطلب هذا الوضع اتخاذ خطوات وقائية عاجلة لصون الغطاء النباتي، وفي مقدمتها تصميم خارطة وطنية للمخاطر المناخية ترصد البؤر الأكثر تضرراً من الحرارة والجفاف، وتحدد المساحات الرعوية والغابات الأكثر هشاشة، مما يسهل توجيه الموارد والإمكانات نحو الحماية والتدخل السريع.

ويؤكد المصري على ضرورة مراجعة أصناف الأشجار المعتمدة في مشاريع التشجير، عبر التوجه نحو استزراع الأنواع النباتية ذات القدرة العالية على تحمل الجفاف، كأشجار البلوط في الأقاليم الغزيرة بالأمطار، والسدر، والبطم، والعرعر، والأكاسيا، إلى جانب الاعتماد على النباتات الرعوية المستوطنة والمقاومة للجفاف. كما يشدد على تحسين الإدارة المائية في محيط الغطاء النباتي عبر تبني أساليب حصاد مياه الأمطار والسيول، وحفر الخنادق الكنتورية، وإقامة السدود الترابية المصغرة، وهو ما يسهم في الاحتفاظ برطوبة التربة ويزيد من مناعة النباتات في مواجهة الارتفاع الحراري.

ويطالب ببناء منظومة متطورة للإنذار المبكر لرصد الجفاف والإجهاد الحراري الذي يصيب النباتات، من خلال توظيف تقنيات الاستشعار عن بعد عبر الأقمار الصناعية وأدوات الذكاء الاصطناعي لمتابعة مستويات الرطوبة وحالة الغطاء الخضري، وإصدار التنبيهات اللازمة للتدخل الميداني قبل تفاقم الأضرار.

كما يدعو المصري إلى تكثيف التدابير الوقائية لحماية الغابات من خطورة الحرائق، عبر شق وتأهيل الطرق وممرات العزل الخاصة بمكافحة النيران، وتعزيز عمليات المراقبة الجوية باستخدام الطائرات دون طيار (المسيّرة)، لضمان رصد أي بؤرة حريق والاستجابة لها فوراً قبل تمددها.

المحور الإرشادي وتبني الزراعة الذكية مناخياً

وفي سياق متصل، أوضح الباحث والخبير في الشؤون الزراعية والتنموية الدكتور نبيل بني هاني أن تصاعد حدة موجات الحر يشكل تنبيهاً مبكراً يدفعنا نحو صون الثروة النباتية في الأردن، عبر التوسع في تطبيق أنظمة الري الذكية والمقتصدة في استهلاك المياه.

ويشير بني هاني إلى الدور المحوري الذي تؤديه طواقم الإرشاد الزراعي في توجيه المزارعين نحو جدولة أوقات الري لتكون خلال الفترات ذات الحرارة المنخفضة، وتحديث شبكات الري بالتنقيط لإيصال المياه لمناطق الجذور مباشرة والحد من نسب التبخر. وينوه إلى أن وزارة الزراعة تساند هذا التوجه عبر توفير حلول تمويلية ميسرة وتأمين مستلزمات شبكات الري بأسعار مدعومة، تخفيفاً للأعباء المالية عن كاهل المزارعين وتلبيتاً لاحتياجاتهم بكفاءة.

ويضيف أن الجانب التقني يستدعي توظيف أحدث أجهزة ومستشعرات قياس رطوبة التربة، وتطبيق تقنيات التغطية الطبيعية للتربة (المهد)، والتي تمثل خطوة أساسية للحفاظ على الرطوبة حول الجذور وحمايتها من آثار الإجهاد الحراري. ويبين أن تأمين هذه التقنيات بتكاليف اقتصادية مقبولة يتحقق من خلال سعي الجهات المعنية لعقد شراكات فاعلة مع المنظمات الداعمة، لضمان توفير هذه التجهيزات ومشاركتها بين المزارع المتجاورة.

ويلفت إلى أن الكوادر الإرشادية تنفذ حقولاً المشاهدة والتوضيح الميداني لإبراز المردود الإيجابي لهذه الأساليب في تقليص نفقات المياه والطاقة، ورفع مستوى جودة المحصول النهائي.

ويؤكد بني هاني بالقول: “كما يُعد تقليم الأشجار في المناطق المطرية والمروية وسيلة فنية فعالة وغير مكلفة تعتمد على مهارة المزارع في تخفيف المجموع الخضري لتقليل فقدان الشجرة للمياه ومساعدتها على الصمود، وتقدم مديريات الإرشاد برامج تدريبية مجانية ومدارس حقلية لتعليم طرق التقليم الصيفي الصحيح التي تسمح بتهوية الأشجار وتخفيف احتباس الحرارة حولها.”

ويتابع موضحاً: “ويرافق هذا الجهد دعم مستمر من خلال نشر مقاطع فيديو تعليمية قصيرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي لتسهيل وصول هذه المهارات لجميع المزارعين.”

ويشير إلى أنه لرفع درجات الجاهزية، تعمل منظومة الإنذار المبكر على بث رسائل نصية توعوية وإرشادات استباقية إلى هواتف المزارعين قبل حلول الموجات الحرارية بوقت كافٍ لاتخاذ التدابير الوقائية؛ حيث تشمل تلك التنبيهات توجيهات عامة مثل الاعتماد على مواد واقية طبيعية ومنخفضة التكلفة لتقوية أوراق الأشجار وحمايتها من أشعة الشمس المباشرة.

ويضيف بني هاني: “كما تؤدي الجمعيات الزراعية المحلية دورا حيويا في التنسيق لتوفير أي مستلزمات وقائية طارئة بأسعار ميسرة، بما يضمن عملا جماعيا منظما لحماية المحاصيل، وتكتمل هذه الجهود ببناء قدرات المرشدين الزراعيين أنفسهم وتزويدهم بأحدث معارف الزراعة الذكية مناخيا بالتعاون مع المراكز البحثية والجامعات الوطنية لضمان نقل المعرفة بكفاءة.”

ويختتم حديثه بالإشارة إلى أن هذا التأهيل ينعكس إيجاباً في زيادة الزيارات الميدانية لتقديم الإرشادات الفنية المباشرة، وتوزيع النشرات والدلائل المبسطة التي تتوافق مع متطلبات كل إقليم زراعي، مشدداً على أن هذا التكامل الفاعل والتنسيق المشترك بين قطاعات الإرشاد والبحث العلمي والجهات التمويلية يمثل الحجر الأساس لصون ثرواتنا النباتية وحماية أمننا الغذائي في مواجهة التغيرات المناخية.

Omar Al-Zoubi
Omar Al-Zoubi
عمر الزعبي صحفي ومحلل أخبار، يتمتع بخبرة تزيد عن عشر سنوات في العمل مع مؤسسات إعلامية بارزة داخل الأردن وخارجه. يقدم تحليلات معمقة وتقارير ميدانية وصحافة استقصائية تغطي الأخبار الأردنية والأحداث العالمية في مختلف المجالات، مما يعزز مكانة jodaily.com.
مقالات ذات صلة

الأكثر شهرة

احدث التعليقات