الرئيسيةأخبار الأردنالموازنة الخضراء في الأردن: توجيه الإنفاق نحو الاستدامة

الموازنة الخضراء في الأردن: توجيه الإنفاق نحو الاستدامة

تحقيق الكفاءة البيئية والاقتصادية عبر الإنفاق العام

يشهد مصطلح “الموازنة الخضراء” اهتماماً متزايداً بوصفه وسيلة فعالة لمراقبة تأثير المصروفات الحكومية والبلدية على المناخ والبيئة، بالإضافة إلى قياس مدى توافق هذه المخصصات المالية مع طموحات المملكة الأردنية الهاشمية في قطاعات التنمية المستدامة. وتبرز قيمة الإنفاق الأخضر كأحد السبل الكفيلة بترجمة الإستراتيجيات والخطط البيئية من مجرد أهداف مدونة على الورق إلى خطوات عملية ملموسة في الواقع، لا سيما في دولة تواجه تحديات معقدة ترتبط بنقص الموارد المائية، والآثار السلبية للتغير المناخي، إلى جانب الأعباء المتراكمة على الخدمات والبنية التحتية. ويتزامن هذا التوجه مع تنفيذ الأردن لمشاريع وبرامج تحظى بتمويل محلي وعالمي في ميادين الاقتصاد الأخضر والتكيف مع المناخ، في ظل توجه متصاعد لدمج المعايير البيئية ضمن آليات اتخاذ القرار والتخطيط المالي، مما يساهم في رفع فاعلية الإنفاق وتوجيه الاستثمارات لتحقيق منافع بيئية طويلة الأمد. وتعتبر المجالس البلدية من أكثر المؤسسات التصاقاً بهذا التحول، نظراً لمسؤولياتها المباشرة عن تسيير قطاعات أساسية تنعكس قراراتها المالية فوراً على جودة الحياة الحضرية وقدرة المجتمعات على التكيف.

وفي هذا السياق، يرى رئيس اتحاد الجمعيات البيئية (الاتحاد النوعي) عمر الشوشان، أن مراجعة النفقات من زاوية الاستدامة تستوجب التعامل مع الموازنة ليس كأرقام فقط، بل كأداة جوهرية لتوجيه التنمية وتحقيق الكفاءة الاقتصادية والبيئية في آن واحد. وأضاف لـ”الغد” أن ما يُنفق اليوم من المال العام يجب أن يُقاس أيضا بقدرته على تقليل الأثر البيئي، وتعزيز قدرة الأردن على مواجهة التحديات البيئية والمناخية. وأشار إلى ضرورة ألا يقتصر التكيف المناخي على مبادرات وزارة البيئة حصراً، بل يجب أن يتحول إلى مكون أساسي في جميع القطاعات. ولفت الشوشان الانتباه إلى قطاعات حيوية تتطلب تركيزاً خاصاً، كالنقل العام والمباني الحكومية، نظراً لكونها تستنزف قسماً كبيراً من النفقات التشغيلية. وأكد أن تطبيق معايير كفاءة الطاقة في المباني الحكومية، كالعزل الحراري والطاقة الشمسية وأنظمة التحكم الذكية، يمكن أن يحقق وفورات مالية كبيرة على المدى الطويل، وليس فقط فوائد بيئية. كما شدد على حاجة قطاع النقل الحكومي إلى مراجعة شاملة ترتكز على مبادئ الاستدامة لتقليص التكاليف التشغيلية وخفض البصمة الكربونية للدوائر الرسمية.

وهنا تبرز أهمية قيام دائرة العطاءات العامة بتضمين شروط المشتريات الخضراء في العقود، بحيث تُحسب التكلفة الإجمالية للمشروع طوال فترة تشغيله بدلاً من الاعتماد على السعر الأقل. ومع ذلك، يؤكد الشوشان على استمرار الحاجة الماسة لتعزيز التمويل البيئي في مجالات حماية التنوع الحيوي وإدارة النفايات، موضحاً أن هذه المجالات تمثل استثماراً في الأمن الاقتصادي للمملكة. ويرى الشوشان أن التحدي لا يكمن في إنجاز مشاريع التنمية بحد ذاتها، بل في ضمان تصميمها وفق معايير الاستدامة منذ البداية. ودعا لتفعيل دور البلديات، مطالباً بتحويل هذه القضايا إلى معايير فعلية في الإنفاق. وأكد الشوشان أن البلديات التي تدمج الاعتبارات البيئية في موازناتها لا تحمي البيئة فقط، بل تحقق وفورات اقتصادية، وترفع كفاءة الإنفاق، وتبني قدرة أكبر على مواجهة تحديات المستقبل.

إعادة هيكلة القطاعات وتوزيع البرامج البيئية

من جانبه، أوضح أمين سر المنتدى الأردني للتخطيط البيئي، الدكتور مراد الكلالدة، أن النفقات العامة تخضع لقانون الموازنة الذي يقره مجلس الأمة، حيث تتكفل دائرة الموازنة بتحضير مشروعه بشقيه الرأسمالي والجاري وفق إجراءات قانونية محددة. وبعد عقود من الاعتماد على التقسيم الكلاسيكي للإيرادات والمصروفات، سجلت موازنة عام 2023 تحولاً مهماً تمثل في صياغة المشروع بناءً على عشرة قطاعات حكومية بدلاً من التصنيف الإداري البحت. ورغم هذه النقلة، أشار الكلالدة لـ”الغد” إلى غياب قطاع مستقل للبيئة ضمن القطاعات الرئيسة للموازنة، على الرغم من أن القضايا البيئية أصبحت جزءا أساسيا من السياسات الوطنية والالتزامات الدولية للمملكة. وعزا ذلك إلى تشتت البرامج البيئية بين وزارات ومؤسسات متعددة، مما يجعل من الصعب تحديد حجم الإنفاق البيئي الحقيقي، أو قياس أثره بصورة متكاملة، خاصة في ظل فرض سقوف مالية صارمة قد تجبر المؤسسات على تأجيل المشاريع الخضراء لصالح احتياجات تشغيلية.

وحذر الكلالدة من هذا النهج، مبيناً أن تأجيل الإنفاق الوقائي على البيئة يفاقم كلفة معالجة آثار التلوث، وتدهور الأراضي، والتصحر، وارتفاع استهلاك الطاقة، ومخاطر الفيضانات، وتراجع كفاءة المدن والبنية التحتية، بما ينعكس في النهاية على الاقتصاد الوطني، وصحة المواطنين، وجودة الحياة. ونتيجة لذلك، ظهر مفهوم الموازنة الخضراء عالمياً ليقيس مدى مساهمة النفقات الحكومية في حماية البيئة، حيث أكد الكلالدة أنه لم يعد كافيا إعداد الاستراتيجيات أو إصدار التشريعات، بل أصبح المطلوب ترجمة هذه الالتزامات إلى برامج ممولة ومؤشرات أداء قابلة للقياس، وهو ما يتوافق مع التقرير الطوعي الوطني الثالث للأردن. ويرى الكلالدة أنه يمكن قياس مساهمة الإنفاق الحكومي في تحقيق الأهداف السادسة والسابعة والحادية عشرة والثالثة عشرة والرابعة عشرة والخامسة عشرة، بدلا من الاكتفاء بقياس حجم الإنفاق أو توزيعه بين الفصول الحكومية.

وأشار الكلالدة إلى تطور البيئة التشريعية بتعديل قانون أمانة عمّان ليتضمن مفهوم التخطيط الحضري الحصيف وإدارة التوسع العمراني، لكنه شدد على أن نجاح هذه الخطط مرهون بتحويلها إلى برامج ممولة ومدرجة مالياً. ولفت إلى أن تطوير الموازنة الخضراء يتطلب تصنيف كافة البرامج الحكومية بناءً على أثرها البيئي، مقترحاً إرفاق بيان سنوي يعكس “خضرة الإنفاق العام” ليسهل عمليات الرقابة وتقييم الأثر. وأوضح أن هذا الإجراء سيرفع مستوى الشفافية ويسهل استقطاب التمويل الدولي، مؤكداً أن الموازنة الخضراء تشكل الإطار المالي الذي يربط بين التخطيط الحضري والتنمية الاقتصادية والسياسات البيئية في منظومة واحدة.

البلديات وتحديات المحافظة على البيئة المحلية

وفيما يتعلق بدور الإدارة المحلية، بين الأمين العام المساعد الأسبق في وزارة البلديات، المهندس مروان الفاعوري، أن المجالس البلدية أصبحت أكثر وعيا بأهمية إدماج البعد البيئي في خططها وموازناتها السنوية، إلا أن ذلك يتم ضمن الإمكانات المالية المتاحة، ووفق الأولويات التي تفرضها احتياجات المجتمع المحلي. وأشار لـ”الغد” إلى أن أعمال صيانة المساحات الخضراء والعناية بالنظافة تدرج كبنود ذات أثر بيئي مباشر، مؤكداً أن البلديات تلتزم بالتعليمات والأنظمة الصادرة عن وزارة الإدارة المحلية، وتخضع موازناتها للمراجعة والموافقة وفق الأطر القانونية، بما يضمن سلامة الإنفاق وتحقيق المصلحة العامة. وأضاف أن العديد من المجالس تحاول إدراج مشاريع إنارة موفرة للطاقة وتصريف مياه الأمطار متى ما توفرت السيولة.

وأوضح الفاعوري التزام البلديات المطلق بالأنظمة التي تحكم المشتريات الحكومية، مشدداً على أنها تلتزم بها وتطبقها في العطاءات المعتمدة. ورفض فكرة وجود تعارض بين الخدمات العامة وحماية البيئة، مبيناً أن الخدمات الأساسية تحقق أهدافا بيئية في الوقت نفسه. وتحدد البلديات مسارها مع التركيز على المشروعات التي توفر أكبر منفعة للمجتمع المحلي، وتجمع بين تحسين الخدمات والمحافظة على البيئة. وذكر الفاعوري أن التمويل الدولي ساهم في دعم بعض البلديات لتنفيذ مشاريع خضراء، إلا أن التحدي الأكبر يتمثل في محدودية الموارد المالية للبلديات، خاصة أن الجزء الأكبر من الموازنات يذهب إلى تقديم الخدمات الأساسية اليومية التي لا يمكن تأجيلها، مثل النظافة، وصيانة الطرق، والإنارة، وإدارة النفايات. كما لفت إلى أن التكاليف العالية للمشاريع البيئية تجعل من الصعب على البلديات تحملها منفردة. وختم حديثه بالدعوة لتكثيف الدعم الرسمي الموجه للاستثمار الأخضر، بدلاً من إلقاء عبء هذه المشاريع على عاتق البلديات لوحدها.

Omar Al-Zoubi
Omar Al-Zoubi
عمر الزعبي صحفي ومحلل أخبار، يتمتع بخبرة تزيد عن عشر سنوات في العمل مع مؤسسات إعلامية بارزة داخل الأردن وخارجه. يقدم تحليلات معمقة وتقارير ميدانية وصحافة استقصائية تغطي الأخبار الأردنية والأحداث العالمية في مختلف المجالات، مما يعزز مكانة jodaily.com.
مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات