حسم مختصون وخبراء في القطاع الزراعي الأردني النقاش الدائر حول التوقيت الأنسب للبدء بقطف محصول الزيتون. وأكدوا أن التغيرات المناخية وتطور التقنيات الحديثة في المعاصر جعلت من علامة النضج الفعلي للثمرة هي المقياس الأساسي المعتمد لتحديد موعد القطاف والعصر، مما يلغي الاعتقاد الشعبي السائد الذي يربط بداية الموسم بهطول الأمطار الأولى، أو ما يُعرف محلياً بـ”شتوة الزيتون”.
يتزامن هذا التحول الفني والعلمي مع مؤشرات إيجابية لموسم الزيتون الحالي. وتشير التوقعات إلى إنتاج ما يقارب 30 ألف طن من زيت الزيتون، وهي كمية تكفي لتغطية الاستهلاك المحلي بالكامل مع توفير فائض للتصدير. ويترافق ذلك مع تشديدات رسمية لضمان مستويات الجودة، والعمل على رفع الوعي الفني والصحي لدى المزارعين والمستهلكين، وفقاً لما نقلته وكالة الأنباء الأردنية (بترا).
معايير النضج وحجم الإنتاج المتوقع
أوضح المهندس فياض الزيود، عضو الجمعية الأردنية لمنتجي ومصدري منتجات الزيتون وعضو المجلس الاستشاري الدولي للزيتون، أن أمطار الخريف لم تعد المؤشر المعتمد لبدء العصر والقطاف كما جرت العادة. وبيّن أن العلامة الحقيقية لنضج حبة الزيتون تظهر من خلال تغير لونها من الأخضر إلى الأصفر.
وأشار الزيود إلى أن الوقت المثالي للعصر يتحقق عندما يتلون ما بين 60 إلى 75 بالمائة من المحصول، وهو ما يتزامن غالباً مع أواخر شهر تشرين الأول. وأضاف أن المعاصر الحديثة في الأردن تستخدم خطوط إنتاج آلية متكاملة تتولى غسل الثمار وتنقيتها من الأتربة والأوراق بشكل تلقائي قبل عصرها، مما يضمن نظافة الزيت وجودته العالية بغض النظر عن هطول الأمطار قبل القطف.
وفيما يخص التوقعات الخاصة بالموسم الحالي، لخص الزيود الأرقام والتقديرات على النحو التالي:
- إجمالي محصول الزيتون الأخضر: يتراوح بين 220 و230 ألف طن.
- الكميات المخصصة للتخليل: تقارب 30 ألف طن.
- الكميات الموجهة للمعاصر: نحو 200 ألف طن.
- إنتاج زيت الزيتون: يتراوح بين 28 و30 ألف طن، وقد يصل إلى 31 ألف طن.
- الاستهلاك المحلي السنوي: ما بين 24 و25 ألف طن.
- الفائض التصديري المتوقع: من 4 إلى 5 آلاف طن.
وأكد الزيود إغلاق باب استيراد زيت الزيتون للموسم القادم لتوفر المحصول المحلي بكميات كافية، مشيراً إلى أن قرار السماح بالاستيراد سابقاً جاء لتغطية النقص الحاصل في الموسم الماضي، والذي بلغ إنتاجه 16.5 ألف طن فقط بسبب العوامل الجوية. كما شدد على استمرار حظر تصدير ثمار الزيتون الخضراء لحماية القيمة المضافة للمنتج الوطني وتعزيز تصنيعه محلياً.
وبيّن أن جميع المعاصر العاملة في المملكة تخضع لرقابة مستمرة ومباشرة من قبل لجنة مشتركة تضم وزارات الزراعة، والصحة، والبيئة، والمؤسسة العامة للغذاء والدواء، ومؤسسة المواصفات والمقاييس. وأكد أن التكلفة الإنتاجية للصفيحة الواحدة من “زيت المعصرة الخاضع للرقابة” تتراوح بين 75 و80 ديناراً كحد أدنى على المزارع. ووجه نصيحة للمستهلكين بضرورة شراء الزيت من مصادر موثوقة حصراً، مع الدعوة لإتلاف العبوات الفارغة أو ثقبها بعد نفادها لمنع إعادة استخدامها بطرق مخالفة.
التفسير العلمي لتأثير “شتوة الزيتون”
من جانبه، دحض الدكتور نهاد السميرات، خبير فسيولوجيا ما بعد الحصاد، الاعتقاد الشائع بزيادة كمية الزيت داخل الثمار بعد “شتوة الزيتون”، مؤكداً أن هذه الفكرة غير دقيقة كيميائياً. وأوضح أن الدراسات الصادرة عن منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، والمجلس الدولي للزيتون، والمراكز البحثية، تثبت أن أشجار الزيتون البعلية تعاني من إجهاد مائي يؤدي إلى انكماش الثمار وبطء انقسام خلاياها.
وبيّن السميرات أن الأمطار الخفيفة تعمل على غسل الأتربة وتفتح مسامات الشجرة وتقلل الإجهاد الحراري، في حين أن الأمطار الغزيرة تؤدي إلى تمدد الأنسجة اللحمية وامتلاء الخلايا بالماء. وهذا يقلل من تركيز الزيت مقارنة بوزن الثمرة الطازجة، ويخفض من نسبة المركبات الفينولية المحبة للماء.
وأكد أن عملية تراكم الدهون في الثمرة تبدأ منذ مرحلة تصلب النواة، وتتوقف حيوياً وكيميائياً قبل أمطار الخريف مع بداية مرحلة النضج، مشدداً على أن المطر لا يزيد من التراكم الكيميائي للزيت. إلا أنه أوضح أن توفر الماء بنسبة متوازنة يقلل من لزوجة العجينة أثناء الهرس، مما يسهل تجميع قطرات الزيت وفصلها في الفرازة المركزية.
كما أشار إلى دور الأمطار الخريفية في خفض درجات الحرارة المحيطة بالثمار، وهو ما يثبط الإنزيم المسؤول عن تحويل حمض الأوليك إلى حمض اللينولييك. ويحافظ ذلك على مستويات مرتفعة من حمض الأوليك الأحادي غير المشبع بنسبة تتراوح بين 55 و83 بالمائة من التركيب الكيميائي للزيت، مما يعزز قيمته الصحية والتخزينية، ويعيد التوازن الفينولي المحسن لطعم الزيت ورائحته. ودعا المزارعين إلى الاعتماد على توزع ألوان القشرة واللب كمرجع أساسي للقطاف بدلاً من انتظار الأمطار.
مهرجان الزيتون الوطني
أطلقت وزارة الزراعة منصة إلكترونية لتسجيل الراغبين في المشاركة بالنسخة السادسة والعشرين من مهرجان الزيتون الوطني ومعرض المنتجات الريفية. ومن المقرر انطلاق فعاليات المهرجان في 26 تشرين الثاني المقبل في قاعة أرض المعارض بمكة مول، على أن يستمر التسجيل حتى 11 تشرين الأول. وتأتي هذه المبادرة ضمن جهود الوزارة لفتح قنوات تسويقية مباشرة تدعم المزارعين والمنتجات الريفية، بالتزامن مع التوقعات بتسجيل فائض إنتاجي يتجاوز حاجة السوق المحلي هذا الموسم.
