الرئيسيةالتكنولوجياالأمن السيبراني في الأردن: جهود وطنية لمواجهة التهديدات الرقمية

الأمن السيبراني في الأردن: جهود وطنية لمواجهة التهديدات الرقمية

يواصل الأردن، ممثلاً بالمركز الوطني للأمن السيبراني، أداء دور محوري في حماية الفضاء الرقمي للمملكة بكفاءة واحترافية. وتشير الإحصائيات إلى أنه خلال الفترة ما بين 2022 و2026، تم رصد وإحباط 15,216 هجوماً إلكترونياً استهدف جهات في القطاعين العام والخاص. وبلغ المتوسط الزمني لهذه الهجمات نحو 8 حوادث يومياً، وما يقارب 277 حادثاً في الشهر، ليصل المجموع السنوي إلى حوالي 3,007 حوادث سيبرانية.

إحصائيات وتطور الحوادث الرقمية عبر السنوات

أسفرت جهود الرصد المتواصلة خلال السنوات الخمس الماضية عن اكتشاف 767,148 نقطة ضعف أمنية، بمعدل يصل إلى 377 ثغرة يومياً و153 ألف ثغرة في الشهر الواحد. كما أسهمت هذه الجهود في إغلاق 197 منصة وموقعاً إلكترونياً انتحلت أسماء جهات حكومية رسمية خلال عام 2025 والربع الأول من 2026.

ويسعى القراصنة من خلال هذه الهجمات إلى تحقيق غايات متعددة، أبرزها شل عمل الأنظمة التابعة للمؤسسات المختلفة، تحقيق مكاسب مالية غير مشروعة، بالإضافة إلى تنفيذ عمليات تجسس، واحتيال، واختراق للحسابات المصرفية.

في عام 2022، ومع تصاعد وتيرة التهديدات، سجل المركز 1,362 حادثاً سيبرانياً وطنياً. وتضمنت الجهود إحباط 43 هجوماً مباشراً، ومنع 69 محاولة لاختراق منصات حكومية، والتعامل مع 39 حملة تصيد استهدفت الوزارات، حيث تم إصدار 92 تحذيراً استباقياً. كما تم تقييم 369 موقعاً و8,100 خادم، مما أدى لاكتشاف 369,604 ثغرات أمنية.

أما في عام 2023، فقد قفزت نسبة الحوادث بـ 80% لتصل إلى 2,455 حادثاً شملت 119 مؤسسة مختلفة. وتم تسجيل 243 محاولة اختراق لمواقع رسمية، وتوجيه 2,609 تحذيرات أمنية. وتمكنت الفرق من اكتشاف 385,041 ثغرة أمنية وإجراء أكثر من 11 ألف فحص شامل.

وشهد عام 2024 رصد 6,758 حادثاً إلكترونياً بنسبة اكتشاف بلغت 97%. وشملت الإنجازات إطلاق 6,922 تحذيراً، وتحليل 135 برنامجاً خبيثاً، واكتشاف 214 حالة تسريب للبيانات و10,171 ثغرة، إلى جانب إجراء 114 اختبار اختراق للخدمات الحكومية.

التوعية المجتمعية وبناء القدرات

حرص المركز منذ تأسيسه على تعزيز الثقافة الرقمية، حيث أطلق ما يزيد عن 40 حملة توعوية. ركزت 8 منها على فئات ذوي الاحتياجات الخاصة وكبار السن. ومن أبرز المبادرات: حملة “استثمر بأمان”، و”وطن واع”، وبودكاست “حكاية سيبرانية”.

كما جرى تنفيذ 7 برامج مخصصة لتطوير المهارات الوطنية، منها “معسكر نشامى السايبر”، وبرنامج “محاربو السايبر” الموجه للمدارس والجامعات، ومبادرة “مسار”، مما أسهم في تقدم الأردن ليحتل المركز 27 عالمياً في مؤشر الأمن السيبراني العالمي.

تحديات عامي 2025 و2026

شهد عام 2025 التعامل مع 4,113 حادثاً إلكترونياً استهدفت التخريب والبحث عن أرباح مادية. ورصد المركز 170 صفحة مزيفة للتصيد الاحتيالي، وتمكن من رصد ومعالجة ثلاثة حوادث استهدفت تغيير محتوى مواقع محلية. كما أسفرت الفحوصات لـ 52,501 خادم وجهاز عن اكتشاف 1,892 ثغرة. ومن الحوادث البارزة استغلال تطبيق “تيليغرام” لإنشاء صفحات وهمية لشركات توصيل عالمية بهدف سرقة البيانات.

ومع دخول الربع الأول من 2026، برز استخدام الذكاء الاصطناعي في الهجمات الرقمية. وبلغت الحوادث خلال أشهر كانون الثاني وشباط وآذار نحو 525 حادثاً. توزعت هذه التهديدات بين جمع المعلومات، تخطي أنظمة التحقق الرقمي، وحجب الخدمة الذي سجل تصاعداً ملحوظاً في شهر آذار بواقع 47 حادثاً. وتشير البيانات إلى أن 70.7% من مجمل الهجمات تهدف للتعطيل، بينما يمثل التجسس 18.6%، والقرصنة 10.4%.

الذكاء الاصطناعي كأداة هجوم ودفاع

قالت المتخصصة في الذكاء الاصطناعي الدكتورة ريما دياب لبترا: “إن من المهم جداً توضيح رقم الـ89 بالمئة والخاص بازدياد الهجمات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي كأداة احتيال بحسب ما نُشر عن المركز الوطني للأمن السيبراني، هو ارتفاع عالمي في الهجمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي بنسبة 89، وليست خاصة فقط بالأردن الذي سجّل انخفاضاً في إجمالي الحوادث السيبرانية خلال الربع الأول من 2026 بنسبة 16 المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام 2025، وهذا مؤشر إيجابي على تطور قدرات الرصد والاستجابة الوطنية.”

ولفتت إلى: “أن المهاجم أصبح قادراً على تنفيذ هجمات أسرع، وأكثر تخصيصاً وإقناعاً، وبتكلفة وجهد أقل؛ بدءاً من رسائل التصيد الاحتيالي شديدة الواقعية، مروراً بانتحال الأصوات والصور باستخدام الـDeepfake، وصولاً إلى أتمتة البحث عن الثغرات وتطوير البرمجيات الخبيثة والهندسة الاجتماعية.”

وأضافت: “أن من الأرقام اللافتة أيضاً أن 75 بالمئة من الاختراقات المشار إليها اعتمدت على بيانات دخول أو هويات رقمية مخترقة بدلاً من الاختراق التقليدي للأنظمة، كما تم رصد 197 موقعاً إلكترونياً تنتحل صفة مؤسسات وطنية خلال السنوات الأخيرة.”

وأكدت: “أن مجالات الاستهداف واسعة وتشمل المؤسسات الحكومية، والقطاع المالي، والصناعة والتجارة، والبنية التحتية، إضافة إلى الأفراد، وأبرز الأساليب تشمل التصيد والهندسة الاجتماعية، وسرقة بيانات الدخول والحسابات، وبرمجيات الفدية، وانتحال الهوية والتزييف العميق، استغلال الثغرات، وهجمات حجب الخدمة.”

وبينت: “أنه وعلى مستوى الأفراد فإن الوعي الرقمي أصبح خط الدفاع الأول، ولا يكفي أن نقول: “أنا أعرف هذا الشخص، هذا صوته أو صورته”، لأن الذكاء الاصطناعي غيّر هذه المعادلة، ويجب أن نتحقق من أي طلب يتضمن بيانات حساسة عبر قناة ثانية، خصوصاً تحويل الأموال أو مشاركة البيانات وكلمات المرور، مع تفعيل المصادقة متعددة العوامل وتحديث الأنظمة والأجهزة باستمرار.”

وأشارت إلى: “أن الذكاء الاصطناعي بحد ذاته ليس الخطر؛ فالخطر الحقيقي هو كيف ومن يستخدمه، والسباق اليوم ليس بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، وإنما بين من يوظف هذه التكنولوجيا للهجوم، ومن يستطيع توظيفها بشكل أسرع وأذكى للحماية.”

وقالت: “إن الأردن لديه بنية وطنية تتطور بشكل واضح في الأمن السيبراني، لكن ومع سرعة تطور أدوات الذكاء الاصطناعي فالمطلوب اليوم أن نبقى دائماً خطوة للأمام، لأن الهجمة التي كنا نستعد لها بالأمس ليست بالضرورة هي الهجمة التي سنواجهها غداً.”

البعد المجتمعي للأمن السيبراني

وبينت استاذة علم الاجتماع والاتصال والإعلام في الجامعة الأردنية الدكتورة ميساء الرواشدة لبترا: “أن الأمن السيبراني لم يعد قضية تقنية بحتة، بل أصبح قضية اجتماعية ترتبط بشكل مباشر باستقرار المجتمع ومستوى الثقة بين أفراده ومؤسساته.”

وقالت: “إنه كلما ازدادت الهجمات السيبرانية وتكررت حوادث الاحتيال الرقمي، تراجعت ثقة الأفراد ببعضهم البعض، وبالمؤسسات، وبمنصات التواصل الاجتماعي، وأصبح المستخدم أكثر ترددًا في مشاركة معلوماته أو الاعتماد على الخدمات الرقمية.”

وأكدت: “أن ضعف الثقافة الرقمية ومهارات التفكير النقدي يجعل بعض المستخدمين أكثر عرضة لتصديق الأخبار الكاذبة أو الوقوع ضحية لعمليات الاحتيال الإلكتروني، وهو ما ينعكس على تشكيل الرأي العام واتخاذ القرارات الفردية والجماعية، لذلك، فإن رفع مستوى الوعي الرقمي وتعزيز الثقافة المعلوماتية أصبحا جزءًا أساسيًا من بناء رأس مال ثقافي قادر على مقاومة التضليل ومحاربة الإشاعات الكاذبة.”

ونوهت إلى: “أن الحديث اليوم أصبح عن رأس المال الرقمي بوصفه موردًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن رأس المال الاقتصادي أو البشري، ويتمثل في امتلاك الأفراد والمؤسسات المهارات الرقمية، والقدرة على الوصول الآمن إلى التكنولوجيا، والثقة باستخدام الخدمات الإلكترونية، وحماية الهوية والبيانات الرقمية.”

وقالت: “إن تحصين المجتمع سيبرانيًا، فهو عملية اجتماعية وثقافية قبل أن يكون إجراءً تقنيًا، ويعني بناء مجتمع يمتلك الوعي والمعرفة والمهارات التي تمكنه من التعامل مع المخاطر الرقمية، من خلال التربية على الأمن السيبراني، ونشر الثقافة الرقمية، وتعزيز المسؤولية الفردية، وتطوير التشريعات، ورفع جاهزية المؤسسات لحماية البيانات والاستجابة السريعة للتهديدات الإلكترونية.”

وأكدت: “أن نجاح الدولة في بناء منظومة قوية للأمن السيبراني ينعكس بصورة مباشرة على مستوى ثقة المواطنين بمؤسساتها، فعندما يشعر المواطن بأن بياناته الشخصية مصانة، وأن الخدمات الإلكترونية آمنة، وأن هناك شفافية وكفاءة في التعامل مع الحوادث السيبرانية، فإن ذلك يعزز رأس المال الاجتماعي بين الدولة والمجتمع، ويرفع مستوى الثقة المؤسسية، ويشجع المواطنين على الانخراط في التحول الرقمي بثقة أكبر.”

وأشارت إلى: “أن الأمن السيبراني اليوم لم يعد مجرد وسيلة لحماية الأجهزة والشبكات، بل أصبح ركيزة أساسية لحماية رأس المال الاجتماعي، وتنمية رأس المال الثقافي، وتعزيز رأس المال الرقمي، وهي جميعها عناصر ضرورية لبناء مجتمع آمن، قادر على مواكبة التحول الرقمي بثقة، وتعزيز العلاقة بين المواطن والدولة في العصر الرقمي.”

Omar Al-Zoubi
Omar Al-Zoubi
عمر الزعبي صحفي ومحلل أخبار، يتمتع بخبرة تزيد عن عشر سنوات في العمل مع مؤسسات إعلامية بارزة داخل الأردن وخارجه. يقدم تحليلات معمقة وتقارير ميدانية وصحافة استقصائية تغطي الأخبار الأردنية والأحداث العالمية في مختلف المجالات، مما يعزز مكانة jodaily.com.
مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات