الرئيسيةالتكنولوجيادراسة لشركة أنثروبيك: الاعتماد على "كلود" يشمل مهام حيوية ومعقدة

دراسة لشركة أنثروبيك: الاعتماد على “كلود” يشمل مهام حيوية ومعقدة

بينت دراسة استقصائية نفذتها مؤسسة “أنثروبيك” بشراكة مع ثلاث منظمات بحثية مستقلة، تفاصيل أعمق حول أساليب توظيف الأفراد للذكاء الاصطناعي في بيئات عملهم.

عوضاً عن حصر دور “كلود” في الوظائف الروتينية أو ذات التأثير المحدود، أوضحت المخرجات المبدئية أن المتعاملين يعتمدون عليه في قضايا ذات تأثيرات ملموسة، كاستشارات مهنية، ومالية، وقانونية. في الوقت ذاته، يبقى المستخدم البشري هو الموجّه الأساسي وصاحب الكلمة الفاصلة في المخرجات.

أتت هذه الخلاصات ضمن مبادرة تجريبية بدأتها “أنثروبيك” مطلع عام 2026، بغرض توفير بيانات استخدام واقعية للأكاديميين الخارجيين، سعياً لفهم أثر الذكاء الاصطناعي مجتمعياً عبر التطبيق العملي، بدلاً من الاكتفاء بالتجارب المخبرية أو البيانات المفتوحة.

وأصدرت الشركة تقريرها في 26 أغسطس 2026 تحت مسمى “دعم الأبحاث المستقلة حول آليات استخدام كلود”.

وأشارت المؤسسة إلى أن أحد أبرز العوائق في تقييم أثر الذكاء الاصطناعي هو بقاء بيانات الاستخدام الحقيقي حبيسة مختبرات التطوير. في المقابل، يعتمد الباحثون الخارجيون إما على إحصاءات انتقائية تصدرها الشركات، أو على قواعد بيانات عامة تغلب عليها الاستخدامات الترفيهية التي لا تجسد الواقع المهني الفعلي. وتؤكد “أنثروبيك” أن هذه المصادر بمفردها غير كافية لإنجاز أبحاث دقيقة ومحايدة.

مشاركة ثلاث مؤسسات بحثية وتحليل ربع مليون محادثة

انخرط في هذا المشروع التجريبي ثلاث جهات مستقلة: مختبر التقنيات الاجتماعية واللغوية بجامعة ستانفورد، ومختبر معالجة المعلومات البشرية في جامعة أكسفورد، إلى جانب مؤسسة “ميتر” غير الربحية التي تُعنى بتقييم نماذج الذكاء الاصطناعي المتطورة.

قام كل فريق بصياغة محاوره البحثية، ونفذ تحليلاته بالاعتماد على أداة “أنثروبيك إنسايتس” (المعروفة سابقاً بـ “كليو”)، وهو النظام الداخلي للشركة المصمم لتحليل أنماط الاستخدام في ملايين الحوارات مع ضمان الخصوصية. غطت الأبحاث قرابة 250 ألف تفاعل عبر “كلود” و”كلود كود” خلال شهري أبريل ومايو 2026.

ووفقاً للشركة، تمتعت الفرق البحثية باستقلالية شبه كاملة، حيث اقتصرت مراجعات “أنثروبيك” على التدقيق لضمان خصوصية المستخدمين، ومنع تسريب بيانات تنتهك سياسات الاستخدام أو الأسرار التجارية. ولم تتدخل الشركة في جوهر النتائج العلمية، مؤكدة حق الباحثين في نشرها حتى لو تضمنت انتقادات غير مريحة لها.

كما أتاحت المؤسسة البيانات الإجمالية المستخلصة من المشاريع للعموم عبر منصة “هاغينغ فيس”.

تجاوز حاجز النصف في إسناد المهام الحساسة

انصب تركيز فريق جامعة ستانفورد على آليات التفاعل البشري مع الذكاء الاصطناعي، وطبيعة الوظائف الموكلة إليه، وما يحتفظ به المستخدم لنفسه، بالإضافة إلى رصد حالات الإخفاق في هذا التعاون. وتبين أن الأفراد يوظفون “كلود” في مجالات بالغة الأهمية تفوق التوقعات السابقة.

سابقاً، كان يُعتقد أن البشر يميلون لتفويض المهام البسيطة للآلة، مع الاحتفاظ بالقرارات المصيرية لأنفسهم. غير أن البحث أثبت أن ما يزيد عن 50% من محادثات “كلود” تضمنت تكليف النظام بوظائف ذات تداعيات هامة.

وبرز هذا التوجه بشدة عند طلب استشارات مهنية، لا سيما في الجوانب المالية والقانونية.

هذا لا يعني بالضرورة أن “كلود” يصدر القرار النهائي، ولكنه يوضح استعداد الأفراد لإشراك الذكاء الاصطناعي في خطوات حاسمة قد تمس أطرافاً أخرى أو تنتج عنها آثار يصعب التراجع عنها.

السيطرة البشرية مستمرة في أغلب الحالات

أظهرت دراسة ستانفورد أيضاً أن الشراكة مع الذكاء الاصطناعي لا توازي تسليم زمام الأمور بالكامل للنظام. ففي نحو 75% من الحوارات، كان العنصر البشري هو من يرسم مسار العمل بينما يتولى “كلود” المساعدة في التنفيذ.

ولوحظ أن المستخدمين يقومون بتنقيح وتعديل المخرجات بشكل مستمر بدلًا من استخدامها حرفياً.

ويعكس هذا النمط أن الاستعانة بالذكاء الاصطناعي لا تلغي الدور البشري، بل تحوله من التنفيذ اليدوي الكامل إلى مهام وضع الاستراتيجية، المراجعة، التحرير، واعتماد النتيجة النهائية.

مع ذلك، رصد الباحثون تفاوتاً في مستوى استيعاب المستخدمين لمخرجات النظام وحجم استفادتهم منها، حتى عندما يكونون هم أصحاب التوجيه الأولي.

الصعوبات التقنية قد تعزز جودة المخرجات

خلص باحثو ستانفورد إلى نتيجة تخالف الافتراض الشائع بأن التجربة المثالية للذكاء الاصطناعي هي تلك الخالية من العقبات. فقد اتضح أن مواجهة صعوبات أو سوء فهم أثناء التواصل مع “كلود” هو أمر اعتيادي، بل وقد يكون احتكاكاً منتجاً.

فالجهد المبذول في تتبع أداء النظام، وتحديد نقاط القصور في الأوامر الموجهة إليه، ومن ثم إعادة صياغتها، يساهم غالباً في الوصول إلى نتائج أفضل.

وبحسب الدراسة، فإن هذا النوع من التفاعل يحفز المستخدم على بلورة مطالبه بدقة، والارتقاء بجودة النتائج، ومواصلة التفكير في الحلول بدلاً من التخلي عنها كلياً للآلة.

تأثر الحالة النفسية للمستخدم بسلوك الذكاء الاصطناعي

من جهة أخرى، ركز فريق جامعة أكسفورد على الجانب العاطفي للمستخدمين وارتباطه بطريقة استجابة النظام. وبينت المعطيات الأولية تزامناً واضحاً بين الأنماط السلوكية للطرفين خلال المحادثة.

فحينما يتجاوب “كلود” بأسلوب ودود، كان المستخدمون يميلون لإظهار مشاعر إيجابية. وفي المقابل، عند رفض النظام لطلب ما أو معارضته للمستخدم، تزداد احتمالية إبداء الأخير للاعتراض أو محاولة دفعه لتغيير موقفه.

كما كشف التحليل أن تصرفات “كلود” غير المعتادة ارتبطت بارتفاع مستوى التفاعل الفكري للمستخدم، في حين أن الإجابات المباشرة والمفيدة اقترنت بمؤشرات تدل على الرضا.

ولاحظ الفريق أن المشاعر المرافقة لاستخدام الذكاء الاصطناعي تتشابه مع الأنماط العاطفية المعتادة في النشاط الرقمي اليومي، كحالات الاندماج أو الإحباط أو الاستمتاع، مما يدل على وجود قواسم مشتركة بين تفاعل البشر مع الذكاء الاصطناعي والأنشطة الرقمية الأخرى. ولا يزال العمل جارياً لإكمال هذه الدراسة.

تأثير النماذج الحديثة على توفير الوقت

اتجهت منظمة “ميتر” لقياس العوائد الإنتاجية الفعلية من استخدام الوكلاء المبرمجين، وما إذا كانت التحديثات المستمرة للنماذج تزيد من هذه المكاسب.

ورغم استمرار عمليات تحليل محادثات “كلود كود”، تلمح المؤشرات المبدئية إلى أن الإصدارات الأحدث قادرة على توفير وقت أكبر للمستخدمين مقارنة بالنسخ الأقدم.

عمدت الدراسة إلى مقارنة تقديرات “كلود” للوقت المطلوب لإنجاز المهمة بشرياً بالوقت الفعلي المنجز بمساعدة نماذج متنوعة من النظام. وأشارت النتائج إلى تسارع ملحوظ في الإنجاز عند استخدام الأجيال الجديدة.

علاوة على ذلك، اختبرت “ميتر” دقة النظام في تخمين الزمن اللازم لإنهاء المهام، ووجدت ترابطاً بين تقديرات “كلود” والبيانات الحقيقية لأوقات عمل المطورين المستمدة من دراسات سابقة.

وتسعى المنظمة في المرحلة القادمة لمعرفة حجم التسريع الذي يمكن أن يقدمه الذكاء الاصطناعي لعمل الباحثين، وهو تساؤل تزداد أهميته مع تنامي إدماج هذه التقنيات في تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي ذاتها.

آليات حماية الخصوصية المعتمدة

تؤكد “أنثروبيك” أن مشاركة بيانات الاستخدام بهذا النهج لا تزال ممارسة نادرة في القطاع. لذا، لم يكن المشروع مجرد تجربة بحثية، بل اختباراً لإمكانية تزويد الباحثين الخارجيين ببيانات واقعية دون كشف محتوى محادثات المستخدمين.

لم يحصل الباحثون على صلاحية الوصول للمحادثات الأصلية إطلاقاً. عوضاً عن ذلك، اعتمدوا على بيانات مجمعة أنتجتها أداة “أنثروبيك إنسايتس”، بعد إخضاعها لتدقيقات قانونية ومراجعات خصوصية صارمة تماثل تلك المطبقة داخلياً.

ولتأكيد الموثوقية، خضعت إجراءات الخصوصية لتقييم إضافي من قِبل طرف خارجي متمثل في أكاديميين من إمبريال كوليدج لندن، للتحقق من استمرار فاعلية الحماية أثناء مشاركة البيانات.

ومع ذلك، أقرت الشركة بأن هذه الإجراءات الصارمة جعلت وتيرة المشروع أبطأ واستهلكت موارد أكبر مقارنة بالسرعة المعتادة للأبحاث الداخلية، وهو ما يشكل تحدياً أمام توسيع البرنامج.

تحديات المنهجية وصياغة الأسئلة

من بين المشكلات البارزة التي واجهت التجربة هو اعتماد أداة “أنثروبيك إنسايتس” على تقييمات “كلود” نفسه لتصنيف المحادثات.

عندما يطرح الباحث استفساراً لتحديد نوع التوجيه المطلوب في محادثة معينة، يتولى النظام الإجابة عن السؤال. بعد ذلك تُجمع الإجابات في فئات، بحيث يقتصر ما يراه الباحث على الفئات النهائية ونسبها.

وتكمن المشكلة في أن صياغة السؤال يمكن أن تغير النتيجة؛ فالسؤال المكتوب بأسلوب غير دقيق قد يدفع النظام لوضع بعض المحادثات في فئات خاطئة، ولا يستطيع الباحث العودة للنص الأصلي للتحقق بسبب قيود الخصوصية.

تتعامل الفرق الداخلية مع هذا الأمر عبر اختبار الأسئلة مراراً على مدى أسابيع، لكن تطبيق ذلك مع الباحثين الخارجيين غير عملي لاعتبارات الخصوصية والوقت.

لذا، طُلب من الباحثين تجربة أسئلتهم أولاً على قواعد بيانات مفتوحة مثل “وايلد تشات” حيث يمكن مراجعة المحادثات. ولكن نظراً لاختلاف طبيعة الاستخدام (العفوية في البيانات المفتوحة مقابل المهنية في كلود)، أدى ذلك أحياناً إلى إنتاج تصنيفات مضللة عند تطبيق الأسئلة على محادثات “كلود”.

نسبة ضئيلة من البيانات خضعت لرقابة الاستخدام المسيء

واجه المشروع أيضاً معضلة في الموازنة بين الشفافية وعدم نشر معلومات تسهل تجاوز آليات الحماية. حيث كشفت بعض تصنيفات الشركاء عن محاولات لخرق سياسات الاستخدام، كطلب إرشادات لأنشطة محظورة.

وأفادت “أنثروبيك” بنشر معظم هذه الإحصاءات بشكل مجمع، مع استبعاد الفئات التي توضح كيفية تمكن المستخدمين من اختراق الأنظمة، والاكتفاء بوصف طبيعة المخالفة.

وشملت هذه التعديلات نسبة تقل عن 5% من الفئات والمحادثات في كل دراسة، مع إبلاغ الباحثين بأسباب التغيير في كل حالة، وإحالة البيانات المعنية لفريق الأمان الداخلي للمراجعة.

القائمون على تنفيذ المبادرة

تولى كونال هاندا قيادة المشروع من داخل “أنثروبيك”، حيث نسق مع الجهات الشريكة لصياغة المقترحات والعقود، وأدار البنية التقنية وصاغ التقرير الختامي. وشاركته ميراندا تشانغ في إدارة الشراكات، بينما أشرف غابرييل نيكولاس على تدقيق الخصوصية الخارجي، وساهم مايلز ماكين في تطوير البنية التقنية والتوجيهات، بدعم من خبراء قانونيين وتقنيين في الشركة.

ومن جانب مختبر التقنيات الاجتماعية واللغوية في ستانفورد، شارك كل من فيشاخ بادماكومار، ييجيا شاو، جينيفر وانغ، ديي يانغ، ودورا تشاو. وضم فريق أكسفورد تسفيتوميرا دومبالسكا، هانا روز كيرك، وكريستوفر سمرْفيلد. أما مؤسسة ميتر فمثلها جويل بيكر، دانيال باليكا، وباركر ويتفيل.

وتولى فريق من باحثي إمبريال كوليدج لندن مهمة المراجعة المستقلة المتعلقة بالخصوصية للتأكد من أمان بيانات المستخدمين.

تجربة أولى قابلة للتوسع

ترى مؤسسة “أنثروبيك” أن دراسة الآثار المجتمعية للذكاء الاصطناعي تتجاوز قدرات الشركات المطورة بمفردها، وتتطلب إشراك باحثين خارجيين قادرين على طرح أسئلتهم وتحليل البيانات الواقعية باستقلالية.

ورغم الصعوبات، تعتبر الشركة أن المخرجات الأولية تثبت جدوى الأبحاث المستقلة دون التضحية بالخصوصية، مشيدة بتطرق الباحثين لأسئلة لم تكن الشركة لتفكر بها، مما قدم نتائج جديدة حول الأثر الفعلي للتقنية.

تتجه الخطوات القادمة نحو دراسة سبل توسيع هذه المبادرة، سواء بزيادة نطاق الدراسات المدعومة أو تعدد المشاريع المتزامنة، مع الالتزام بالتقدم التدريجي للحفاظ على السلامة وجودة المخرجات.

وبهذا، لا تقدم هذه التجربة فهماً حول استخدام “كلود” فحسب، بل تؤكد أن استيعاب أثر هذه الأنظمة يتطلب معرفة المهام الموكلة إليها، مستوى الإشراف البشري، والمكاسب الإنتاجية الفعلية في الحياة اليومية.

Omar Al-Zoubi
Omar Al-Zoubi
عمر الزعبي صحفي ومحلل أخبار، يتمتع بخبرة تزيد عن عشر سنوات في العمل مع مؤسسات إعلامية بارزة داخل الأردن وخارجه. يقدم تحليلات معمقة وتقارير ميدانية وصحافة استقصائية تغطي الأخبار الأردنية والأحداث العالمية في مختلف المجالات، مما يعزز مكانة jodaily.com.
مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات